أفكار ومواقف

التشغيل أزمة السياسيين

تبذل الشركات كل ما يمكنها لتقليل عدد العاملين لديها و أو تخفيض أجورهم، وتتيح لها التقنية الحديثة المجال واسعا للاستغناء عن العمالة البشرية أو التقليل منها، وأما التشغيل ومواجهة البطالة وتحسين ظروف العمل فهي أزمة السياسيين! الحكومة والنواب والمسؤولين والقادة الاجتماعيين والسياسيين، ويبدو الحل المباشر والسريع في تشغيل طالبي العمل في المؤسسات الحكومية والبلديات أو التي تملكها الحكومة أو تشارك فيها، لكن ربما يزيد ذلك الأزمة تعقيدا، فالعمل أساسا خدمة تتحدد بالحاجة إليها، وفي ذلك فإننا في مواجهة أزمات تقليدية وأخرى جديدة غير تقليدية، فالعمل يفترض أن يكون في سياق الفرص الاقتصادية والانتاجية والاستثمارية، ويجب أن يضيف إلى الإنتاج والاقتصاد أضعاف كلفته المباشرة، وأن تكون كلفته في حدود معينة بالنسبة لرأس المال والناتج المحلي، ويمكن الحديث على نحو عام بمعدل وظيفة واحدة لكل خمسين ألف دينار، لكن في ظل قدرة الشركات على العمل والخدمة من غير وظائف فإن نسبة التشغيل وخاصة في قطاعات مثل البنوك والاتصالات تتراجع كثيرا، ويبدو أن قطاعات أخرى تقليدية مثل التعليم والصحة والزراعة تتجه إلى العمل الآلي والروبتة وإلى مزيد من الاستغناء عن العمالة البشرية.
لكن تبقى المحصلة الكلية للقياس والمراجعة هي قيمة الناتج المحلي ونسبة النمو الاقتصادي على النحو الذي يجعل العلاقة بين الوظائف والأعمال وبين الموارد في حدود الربع، وأن تكون الوظائف الحكومية تعود بالفائدة المباشرة على الأسواق والأعمال في القطاع الخاص، فالمؤسسات القضائية والأمنية على سبيل المثال يجب أن تقلل الكلفة على الأسواق والمصالح ولا تجعلها في حاجة لإنفاق زائد على الأمن وتسوية الخلافات. ومؤكد أن التوسع في التوظيف يزيد العبء والترهل في العمل الحكومي وفي الأسواق، وأسوأ من ذلك ما تنشئة عمليات التوظيف غير الحقيقية من أزمات سياسية واجتماعية لدى مواطنين يشعرون بالحرمان وغياب العدالة.
يفترض أن تتطلع الحكومات والمؤسسات العامة والخاصة أيضا إلى الفرص الجديدة والأعمال الجديدة الممكن توليدها في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتسعى إلى إدماج الأجيال الجديدة والباحثين عن العمل في الأسواق والمؤسسات والاتجاهات التي تتشكل حاجة حقيقية لها، ويمكن للحكومات والبلديات والمؤسسات الاجتماعية أن تنشئ بيئة اجتماعية ثقافية تستوعب الشباب وجميع المواطنين في أطر واتجاهات تقدم لهم فرص المشاركة والإبداع وتلبية تطلعاتهم التي لا يجدونها في العمل مثل الرياضة والفنون والآداب والعمل التطوعي و الترفيه بتكاليف معقولة، وفي ذلك يمكن تقديم تعويض اجتماعي وثقافي عن طبيعة وقسوة الاعمال التي يشاركون فيها، وخيارات إضافية للمواطنين للعمل وتنمية الذات وتوليد فرص وآفاق جديدة، أو تمنحهم الرضا والاندماج في المجتمع المحيط مهما كانت طبيعة أعمالهم.
تنخفض على نحو متزايد نسب التشغيل في القطاع الخاص في جميع أنحاء العالم، ويشكل ذلك بطبيعة الحال تحديا سياسيا واجتماعيا، ويحاول السياسيون تطوير الشراكة مع القطاع الخاص وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لكن البنك الدولي يقدر أنها برامج لم تكن ناجحة في حالات قليلة، وربما يكون الحل الأفضل في التركيز على بيئة عادلة لتشجيع الشركات والأعمال والأسواق إضافة إلى بيئة اجتماعية ثقافية تنشئ التماسك الاجتماعي وتشجع الإبداع والرغبة في العمل والتطور، وأن تركز الحكومة على تطوير الخدمات الأساسية الرئيسية وهي التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وفي ذلك فإنها تنشئ بيئة آمنة للمواطنين حتى في حالة نقص الدخل وصعوبات الأعمال والأسواق، لكنهم يظلون قادرين على الحصول على التعليم والصحة والضمان والتكافل الاجتماعي. وسوف تتكفل الأسواق ضمن حراكها وتنظيمها لذاتها بالتشغيل والشراكة مع المواطنين، المهم ألا تواجه عقبات في عملها تتعلق بالأمن والمعاملات والتنافس والتحالفات الفاسدة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock