أفكار ومواقف

التضليل وحرف النقاشات العامة

ليس هناك أعقد من أن تبني رأيا ومن ثم موقفا إن لم تكن مطلعا على حيثيات القضية أو تملك معلومات موضوعية بقدر كاف حولها، وإلا كان الرأي والموقف مشوهين وفيهما تضليل لا يفيد صاحبهما ولا القضية ذاتها. تبدو هذه القاعدة بديهية وقد يتهم طارحها بالتفلسف والفذلكة، لكن التمعن في الكثير من الجدل والنقاشات العامة التي تدور بيننا وعلى حوائط التواصل الاجتماعي تؤشر إلى غياب هذه القاعدة في تناول الكثيرين لقضايا عامة مختلفة.
وقد أظهر الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وسهولة التداول لآراء والتعليقات عبرها هذه المشكلة بأجلى حالاتها، بل ساهمت بمعرفة مفاتيح هذا التداول والتأثير به وتوفر إمكانات معرفية أو مادية او سياسية لدى أفراد وجماعات ومؤسسات في التحكم بمسارات واتجاهات النقاشات العامة وبناء الآراء والمواقف لدى شرائح واسعة من المتلقين والمتفاعلين، وعلى حساب الحقيقة والموضوعية في أحيان كثيرة وعلى حساب مصالح المتلقين أنفسهم، وبات يترسخ مصطلح عقلية القطيع الذي تجر عبره الجماهير إلى حيث يريد من يمتلك المفاتيح والقدرة على التأثير.
هذا الدور مارسته تاريخيا وسائل الإعلام والصحافة التقليدية والحديثة، وما تزال تمارسه، لصالح السلطة ومراكز النفوذ المالي والسياسي والاجتماعي، في معظم العالم لكنه يظهر فاقعا وطاغيا في دول العالم الثالث وغير الديمقراطية. لكن هذا الدور لوسائل الإعلام ورغم ىاستمراره فإنه يتراجع لمراتب متأخرة أمام تقدم وسائل التواصل الاجتماعي وتغلغلها في الحياة العامة والخاصة للأفراد من مختلف شرائح المجتمع.
ورغم كل الإيجابيات والفوائد الكبيرة لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي على حياة الأفراد والمجتمعات الحديثة؛ سياسيا واجتماعيا وثقافيا ومعرفيا، فإن حجم السيولة فيما يتم تداوله احيانا كثيرة عبر هذا العالم الافتراضي، والتزييف الواسع للحقائق والأخبار أو حتى الانتقائية في اختيار الأخبار والمعلومات الصحيحة لكن الناقصة، كل ذلك خلق من السلبيات والتحديات الكثير، وحرف النقاشات العامة وعمليات تكوين الرأي والموقف إلى مجاهل التشويه والتطرف وتصفية الحسابات وتمرير الأجندات التي لا علاقة لها بمصالح الجماهير والشرائح المجتمعية.
يمكن المحاججة بصحة هذه القراءة بالإشارة إلى العديد من القضايا والمواضيع المحلية أو العالمية التي تقاد فيها الجماهير إلى جدالات ومواقف عامة تكون مبنية على معلومات وأخبار مزيفة أو ملفقة او ناقصة وتساعد سهولة استخدام مواقع التواصل على نشرها وتداولها وربما خلق استقطابات حادة في الرأي العام حولها.
في استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية الذي نشرت نتائجه أمس، وركز على موقف الرأي العام من الاحتجاجات التي رافقت في الفترة الأخيرة تغيير المناهج المدرسية، تظهر بوضوح مشكلة بناء الآراء والمواقف استنادا إلى ما تم تداوله من “أخبار ومعلومات” وآراء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بغض النظر عن دقة وصحة الكثير مما نشر ودون اطلاع الكثيرين على موضوع الاحتجاج والكتب المدرسية المقصودة بالتعديل.
ومن متابعة تفاصيل وتداعيات الاحتجاجات والجدل حول تغيير بعض كتب الصفين الأول والرابع، وهذه الكتب هي التي طالها التعديل المثير للجدل، يظهر بوضوح للمراقب المحايد والمدقق أنه كان هناك الكثير من المعلومات المضللة والملفقة رافقت الجدال حول هذه الكتب وبعضها -طبعا- استند لمعلومات واخبار صحيحة، لكن المشكلة اختلاط الحابل بالنابل، والمضلل بالصحيح، إلى الدرجة التي تم فيها شن حملات كراهية بحق شخصيات بدعوى كاذبة هي مسؤوليتهم عن وضع الكتب الجديدة ليتبين بعد التدقيق ان هذه الشخصيات كانت لها آراء ناقدة وعلمية لبعض ما ورد بالكتب.
وبعيدا عن تفاصيل وحيثيات الاستطلاع المذكور وحتى عن الموقف من قضية المناهج، فقد يكون أهم مؤشر إيجابي فيه هو عدم تردد نحو 29 % من المستجيبين من القول أنهم لا يعرفون ما هي أهم القضايا الملحة التي تواجه اليوم المجتمع الدولي، فبداية المعرفة وتكوين الموقف الأكثر انسجاما مع الواقع هو الإقرار بعدم المعرفة لمن لا يعرف، ومن ثم تأتي بعدها مهمة البحث عن المعرفة والمعلومة الدقيقة التي يتشكل بناء عليها الرأي والموقف!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock