أفكار ومواقف

التطرف.. الأنسنة والعقلنة!

يحلل الباحث الكندي، مغربي الأصل، عبدالقادر الفيلالي، في ورقةٍ بحثية له، المقاربة المغربية المتّبعة في مواجهة الإرهاب، ويربطها بدرجة كبيرة برؤية مدير مراقبة التراب الوطني عبداللطيف الحموشي، الذي يترأس الدائرة المعنية بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وغسل العملة، وكل ما يمس الأمن الوطني المغربي. ثم أضاف إليه العاهل المغربي مسؤولية إدارة مديرية الأمن الوطني المعنية بالقضايا الأمنية اليومية، قبل قرابة عام من الآن.
الحموشي عُيّن على رأس مديرية مراقبة التراب الوطني في العام 2005؛ أي بعد تفجيرات الدار البيضاء. وقام بإعادة هيكلة بنيوية للمقاربة المغاربية؛ إذ نجح المغرب في احتواء التيار “السلفي الجهادي”، مقارنة بما يحدث في شمال أفريقيا. ويشير الفيلالي إلى ثلاث ركائز أساسية:
الركيزة الأولى، ترتبط بطبيعة النظام السياسي المغربي. ومن الميزات التي ساعدت النظام هناك، قدرته على تنظيم “الحقل الديني”، واهتمامه الشديد بهذا المجال، عبر المساجد والمؤسسات الدينية ومؤسسات الفتوى الشرعية.
الركيزة الثانية، ويعود الفضل فيها إلى الحموشي، وفقاً للباحث الفيلالي، تتمثل في أنسنة التعامل مع التيار السلفي الجهادي، وفتح باب الحوار والاحتواء، بدلاً من الاقتصار على خيار المواجهة الأمنية والمسار القانوني والقضائي. وهي المقاربة التي نجحت -كما هي الحال في تجارب عربية أخرى- في قيام قيادات في التيار السلفي الجهادي هناك بمراجعات عميقة، مثل محمد الفزازي وحسن الكتاني وأبي حفص وغيرهم؛ فتم إطلاق سراحهم مع عدد كبير من أبناء التيار.
وميزة التجربة المغربية أنّها لم تتوقف عند حدود المراجعات، بل عملت السلطات على إعادة إدماج قيادات التيار وعناصره في الحياة العامة، حتى إنّ الملك محمد السادس نفسه حضر قبل قرابة عامين خطبة لأحد رموز السلفية الجهادية هناك، هو محمد الفزازي، في مسجد طارق بن زياد في مدينة طنجة.
التجربة المغاربية في التعامل مع المعارضة المتطرفة تعمد إلى سياسة الباب المفتوح دائماً، حتى مع حركات سلمية راديكالية (من زاوية التغيير السياسي)، مثل حركة العدل والإحسان، التي تطالب بتغيير نظام الحكم نفسه. وهي حركة عريضة منتشرة، إذ يحتفظ أعضاؤها وقادتها بوظائفهم ورواتبهم، بالرغم من معارضة الحكم الجذرية لديهم.
ويفضّل الفيلالي إطلاق مصطلح “الأنسنة” على مقاربة الحموشي في مواجهة التطرف والإرهاب؛ إذ تقوم على الاهتمام بحقوق السجناء المدنية والقانونية داخل السجون، وفتح الباب لهم لإعادة تقييم أفكارهم ومراجعتها.
الركيزة الثالثة، تتمثل في الحوار مع التيار المتطرف والمتشدد، ودفع أعضائه إلى “عقلنة” خياراتهم الأيديولوجية، عبر مناقشتهم في جدوى ما يؤمنون به ويقومون به. وهي الاستراتيجية التي دفعت بقيادات سلفية جهادية إلى المراجعة والتراجع، والتحول نحو نقد “داعش” والوقوف ضد تمدد التنظيم في المغرب.
ثمّة تشابه كبير بين الحالتين المغربية والأردنية، وبين واقع التيار السلفي الجهادي هناك، والأردني كذلك، بل هناك تأثير ملحوظ لشيوخ التيار الأردني على التيار المغربي، وحتى في حجم المنضمين من المغرب والأردن إلى “جبهة النصرة” و”داعش” هناك أعداد متقاربة أيضاً.
وجهازا المخابرات الأردنية والمغربية يعتمدان على استراتيجية الضربة الاستباقية وتفكيك الخلايا، ونجحا في إحباط عدد كبير من العمليات. بل إن المخابرات الأردنية سبقت المخابرات المغربية في السمعة الداخلية والدولية والكفاءة المهنية، بينما المديرية المغربية (مراقبة التراب الوطني) نجحت في إيجاد قفزة كبيرة في الأعوام الأخيرة في المجال الاحترافي.
وهناك أيضاً مراجعات جزئية في الحالة الأردنية. لكن يبقى المطلوب الاهتمام أكثر بالمقاربات الثقافية والدينية، والتفكير في المسار (ب)؛ أي الجانب الديني والإنساني والثقافي.

تعليق واحد

  1. ابحث عن السبب
    فشل الانظمة العربية في خلق هوية قطرية او وطنية أقوى من الهوية الجامعة للأمة (إسلامية) وعجزها عن الدفاع عن مقدسات الأمة ساهمت لحد بعيد في انضمام الشباب الى منظمات منحرفة كداعش واخواتها وجعل خدمة هذا الانحراف الهدف الاسمى في حياتها.ثم ان غياب نموذج سياسي او ديني مقبول من شريحة واسعة من شباب الأمة يجعل من الصعب جدا الوصول الى "الإرهابي "في مرحلة التكوين بسبب عدم ثقة هؤلاء الشباب بالنخب السياسية والدينية.اذا لم يستطع اصحاب القرار جمع الأمة على هدف عظيم ينقذ الشباب من وحل التنظيمات المنحرفة فكل الوسائل لن تكون كافية لتحقيق ذلك.زعماء العرب دائما خطابهم العميق موجه للخارج،اما للداخل فكليشيهات مكررة لا تصلح الا لافتتاحيات الصحف !!!!!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock