ترجمات

“التطرف الإسلامي” ليس السبب الجذري لمشكلة الإرهاب في أوروبا

جوشوا هولاند* — (ذا نيشن) 31/3/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يقول أكبر أحمد، السفير الباكستاني السابق لدى المملكة المتحدة وأستاذ الدراسات الإسلامية حالياً في الجامعة الأميركية في واشنطن العاصمة: “إذا قلت لرجل فرنسي عادي أن مهاجري الجيل الثالث في البانليو لا يتوافرون على مياه جارية؛ إذا قلت له أن العديد منهم أميون ولا أمل عندهم في العثور على عمل أو في أن يكون واحدهم عضواً منتجاً في المجتمع الفرنسي، فإنه لن يصدقك ببساطة. وسيصر على أنهم مواطنون فرنسيون لهم نفس الفرص مثل كل فرنسي آخر”.
ويعمل أحمد وفريقه على إعداد أول دراسة شاملة عن الجاليات الإسلامية في أوروبا، والتي تشمل القارة كلها. ويقول أن “30 في المائة من السكان في مارسيليا هم مهاجرون. ليس لديهم مسجد مركزي ويعيشون في غيتوهات، ومعظمهم بلا عمل، وليست لديهم مدارس مناسبة. وتوجد نفس هذه الظروف نفسها في بلجيكا، حيث المستوى التعليمي للمهاجرين المسلمين بائس جداً وحيث فرص المعيشة بائسة جداً أيضا. والعرف هو الرفض الاجتماعي -حيث لا يعتبرون جزءاً من النسيج المجتمعي- وهذا يكفي لدفع أي جالية إلى الحائط”، وبالنسبة للبعض إلى أيدي الإسلاموية المتطرفة.
التناقض بين الجاليات المسلمة في أوروبا ونظيرتها في الولايات المتحدة صادمة ومنبئة. فالمسلمون الأميركيون يميلون لأن يكونوا مزدهرين، يتمتعون بمستوى تعليم جيد ومستثمرون بعمق في بلدهم. وكمجموعة، يعتبرون نشطين سياسيا ويعيشون مرتاحين في مجتمع تعددي، وليس هناك أي دليل على أنهم يتبنون وجهات نظر دينية متطرفة أو يرتكبون أعمال عنف بمعدل أعلى مما يرتكبه المسيحيون أو اليهود.
لكن الحياة على الهوامش الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا تشكل أرضية خصبة للتطرف. وليس أي من هذا أخباراً جديدة بالنسبة لعلماء الاجتماع أو غير معروف لخبراء مكافحة الإرهاب على كلا جانبي الأطلسي. لكن السياسة الأوروبية تضع حدوداً على المناقشة. فالأحزاب القومية المتشددة في طور الصعود في عموم القارة. كما أن القادة السياسيين الذين يدعون إلى معالجة المشاكل الاقتصادية العميقة التي تصب الوقود على نار التطرف الناشئ في الوطن في أوروبا يتهمون بأنهم “ناعمون حيال الإرهاب” أو أنهم “يدللون المتطرفين”.
ونتيجة لذلك، ثمة الكثير من التركيز على أيديولوجية التطرف، لكنه ليس هناك ما يكفي من التركيز على الظروف التي تسمح لهذه الأيديولوجية بالانتشار. ويقول أحمد أن جهات انفاذ القانون الأوروبية “تحلل هذا من خلال منظور الدين. إنهم يدرسون القرآن للحصول على تفسير، لكن ما نشاهده ليس أكثر من شباب محرومين ومظلومين وأميين لا يتكيفون مع المجتمع. أنظر إلى هؤلاء الشباب الحمقى الذين ينسفون الأشياء -إنهم يشاهدون أشرطة فيديو الدولة الإسلامية مع كأس بيرة في يد ووصلة تفجير في الأخرى”.
في حادثة منبئة في العام 2014، كان بريطانيان اعترفا بتهم الإرهاب التي وجهت إليهما قد اشتريا كتاب “إسلام الحمقى” قبل سفرهما إلى سورية للقتال مع “داعش”. ويكتب أوليفيير روي، الأستاذ في معهد فلورنسا التابع للجامعة الأوروبية في إيطاليا ومؤلف كتاب “الإسلام المعولم” أن ما تواجهه أوروبا اليوم “ليس حول الدين أو السياسة” بل إنه “ثورة شباب”، ويقول روي أن المشكلة ليست في “تطرف الإسلام، وإنما في أسلمة التطرف”.
يقدر أن معدل البطالة في صفوف المهاجرين المسلمين في أوروبا مرتفع يصل إلى 40 في المائة، اعتماداً على البلد المعني. ووجد تقرير صدر في العام الماضي من وضع المؤسسة الفكرية البريطانية “ديموس” أن المسلمين في المملكة المتحدة “هم الأكثر ترجيحاً وعلى نحو غير متكافئ لخوض تجربة الفقر”، فهم ” يفتقرون إلى الشبكات ورأس المال الاجتماعي والمهارات الناعمة التي تسهل الوصول” إلى صفوف الطبقة الوسطى، وهم يواجهون “تفرقة في عمليات التوظيف”.
وفي دراسة أجريت في العام 2010 بقيادة ديفيد لايتين، عالم السياسة في جامعة ستانفورد، تم تقديم سير ذاتية مزيفة لشركات تجارية فرنسية، والتي كانت تحمل أسماء تشير إلى أن مقدمي طلبات التوظيف إما مسيحيون أو مهاجرون مسلمون من السنغال. وكانت مؤهلاتهم متساوية، لكن السير الذاتية التي قدمت باسم مسيحي تقليدي ذكرت عملا سابقا مع منظمة إغاثة كاثوليكية في حين ذكرت السير الذاتية التي تحمل أسماء مسلمة خبرة مشابهة مع جهة خيرية إسلامية. وحتى مع أن كل المتقدمين المفترضين كانوا مهاجرين من نفس البلد، كان استدعاء المسيحيين أكثر ترجيحاً بمرتين ونصف للاستدعاء للمقابلة. كما ذكر في تصريح صحفي أن “الأسر المسلمة من الجيل الثاني تحصل على 400 يورو أقل في الشهر من العائلات المسيحية الشبيهة عرقياً واجتماعياً واقتصادياً”.
وحتى مع ذلك، يستطيع قسم ضئيل من الناس في داخل هذه المجتمعات المهمشة التسبب بالفوضى. وفي هذا الصدد يقول جان تشارلز بريسارد، الخبير الفرنسي في الإرهاب ومؤلف كتاب “الوجه الجديد للقاعدة” لمجلة “ذا نيشن” أن أوروبا الغربية تواجه راهناً ما يقدر بحوالي 6.500 متطرف نشأوا في الوطن، من أصل سكان يقدر مركز بيو للأبحاث أن عددهم يصل إلى 19 مليون شخص. وفي العديد من البلدان الأوروبية، أصبحت السجون بشكل أساسي مصانع لإنتاج المتطرفين. وثمة خط يبدأ بجرائم بسيطة ترتكب في مناطق المهاجرين الفقيرة، ويمر من خلال النظام القضائي ليقود إلى الجماعات الإسلامية الإرهابية. وهذه مشكلة خطيرة قائمة منذ وقت طويل. لكن مايكل بيرنباوم ذكر في العام الماضي لصحيفة “الواشنطن بوست” أنه في فرنسا، وعلى الرغم من أن “ملصقات صور أسامة بن لادن معلقة على جدران النزلاء”، فإن السلطات بدأت لتوها في معالجة الموضوع، بينما تبقى جهودها “صغيرة جداً مقارنة بحجم المشكلة”.
وليس التعرف إلى الأفراد في داخل هذه المجتمعات الذين قد يتعرضون لخطر التحول إلى التطرف بالأمر السهل. وقال مات أبوزو مؤخراً لصحيفة “نيويورك تايمز” أنه “على الرغم من ملايين الدولارات التي أنفقت على أبحاث رعتها الحكومة.. ليس هناك حتى الآن أي شيء يقترب من الإجماع على السبب في تحول أحد ما إلى إرهابي”.
تشكل حالات الفشل الأمني مشكلة حقيقية –فقد فشلت الشرطة وأجهزة الاستخبارات بشكل متكرر في اعتراض مؤامرات يحيكها أشخاص يظهرون على رادارات أجهزة تنفيذ القانون. ويقول بريسارد: “الأجهزة الأمنية مرتبكة. لا تشعر كل البلدان بنفس المستوى من التهديد وما يزال الاتحاد الأوروبي غير قادر على تزويد أعضائه بأدوات يطالبون بها منذ أعوام”. وما يزال تقاسم المعلومات بين قوات الشرطة الوطنية يشكل مشكلة للاتحاد الأوروبي بينما تعارض بعض الدول الأعضاء فكرة فرض إجراءات أشد على الحدود بين البلدان الأوروبية. وكانت جهود قد بذلت لوضع قاعدة بيانات عن المسافرين جواً ولتعقب الاتصالات الإلكترونية للإرهابيين المحتملين في العام 2010 قد أحبطت لأعوام بسبب مخاوف إزاء الحريات المدنية.
لكن، ونظير كل التركيز على الأمن، من المهم فهم أن التحسينات في هذه المنطقة وحدها لن تحل المشكلة. ولن يكون هناك ما يكفي من الموظفين للمسح والتعرف على كل شاب فرد محروم قد يشكل تهديداً. وباستثناء تحويل أوروبا إلى دولة بوليسية ضخمة، فإن من الممكن تقسية كل هدف ناعم. واليوم، تحوط قوات الأمن بمتحف اللوفر، لكنه ليس هناك ما يكفي من الجنود لحراسة كل مطعم ومرقص في الاتحاد الأوروبي. وكانت بروكسل تعيش أعلى حالة من التأهب عندما هاجم أربعة أفراد –بنجاح- أحد المطارات التي تعتبر من بين أكثر الأهداف أماناً في أي بلد.
في أي مجتمع منفتح، ليست هذه مشكلة يمكن حلها بقانون وطني أوروبي، وهو اقتراح يحظى بالقليل من الدعم السياسي، وهو سبب إضافي لمعالجة المشاكل عبر منع التطرف قبل أن يبدأ. ويقول بريسارد: “السؤال الأكثر جوهرية هو، كيف لنا أن نخلق ظروفاً للأفراد بحيث لا يتحولون إلى متطرفين. كيف نستطيع معرفة الأشخاص تحت الخطر التطرف؟” وما تزال المملكة المتحدة تحاول تنفيذ بعض البرامج الرائدة على المستوى المحلي، لكن هذه البرامج تظل صغيرة ومحلية فقط لسوء الحظ، ولم تتم إعادة إنتاجها على المستوى القومي”. ومعظم هذه البرامج ما تزال رمزية، حيث يزور قادة الأديان مراكز الجالية في المجتمعات المهمشة وينظمون مناسبات رياضية للشباب، ويعدون بتعاون أكبر بين المسؤولين وقادة المجتمع المحلي، ثم يذهبون إلى
 بيوتهم.
وبالنسبة لأكبر وآخرين، فإن المجتمعات المكسورة هي مصدر المشكلة. ومن خلال شفائها فقط يمكن حل المشكلة. وتخسر المجموعة الإسلامية “داعش” الآن مناطقها في العراق وسورية، ومن المرجح أن تهزم في الأعوام المقبلة. لكن أوروبا ستستمر في المعاناة من هجمات إرهابية خطيرة إلى أن تتصدى النخب فيها لما يحرض جزءاً صغيراً –وإنما مميتاً- من مواطنيها على استخدام العنف. ويقول أكبر: “عندما نتحدث عن حلول طويلة الأمد، فذلك يعني التعليم والوظائف والاستثمار في المجتمعات”. ويخلص إلى القول محذراً: “من دون تلك الحلول طويلة الأمد، أخشى أن الوضع سوف يسوء فحسب”.

*كاتب مساهم في مجلة “ذا نيشن” وزميل في معهد “ذا نيشن”. وهو أيضاً ضيف راديو السياسة والحقيقة.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Islamic Extremism is not the Root Cause of Europe’s Terror Problem

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock