فكر وأديان

التطرف العلماني

د. أحمد ياسين القرالة
ليس التطرف حكراً على المتدينين وحدهم، بل أظهر الواقع أنّ هناك تطرفاً علمانياً جامحاً لا يكتفي بالدعوة إلى فصل الدِّين عن الدولة، واعتبار التدين حالة فردية لا شأن للمجتمع بها ولا علاقةَ لها في إدارة الدولة وتسيير شؤونها، وإنما يسعى لإقصاء الدين وإبعاده كلياً عن حياة الناس، ويعمل على تسخيفه والتقليل من شأنه، ولا يتورع عن مهاجمته والتشهير به وإظهار الكره والبغض له ولمقتضياته.
وهذا التطرف فضلاً عن كونه غريباً على مجتمعنا الأردني الذي هو متدين بفطرته ومعتدل في سلوكه، هو مناقض لحقيقة العلمانية وجوهرها، التي تقف من الدِّين موقفاً حيادياً لا ترى فيه عدواً ولا صديقاً، ولا تتدخل في اختيارات الأفراد الشخصية، ولا علاقة لها بأراء الناس ومعتقداتهم، ولا شأن لها بأساليب تفكيرهم وطرائق ممارسة طقوسهم الدينية، ما دامت لا تعتدي على حقوقِ الآخرين ولا تمس الأمنَ الاجتماعي ولا تخل بالنظامِ العام.
كما أنه لا ينسجم مع موقف الدولة الأردنية من الدِّين، التي ترى فيه ركيزة من ركائزها الأساسية وركناً من أركان المجتمع ؛ وهو ما نصت عليه المادة الثانية من الدستور التي اعتبرت أن الإسلام دينُ الدولة واللغةَ العربيةَ لغتُها الرسميةُ؛ ولأجل ذلك حفظت الدولة لكل مكونات الشعب الأردني حقَّ العقيدة وممارسة العبادة وأداء الطقوس الدينية، كما ما نصت عليه المادة (14) من الدستور والتي جاء فيها: تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقاً للعادات المرعية في المملكة، ما لم تكن مخلة بالنظام العام أو منافية للآداب .
والتطرف العلماني خطر على الأمن العام ويهدد النسيج الاجتماعي ويمس باستقرار المجتمع ؛ لأنه يستفز المجتمع ويستثير غضبَه، ويمس شعورَه العام ويعتدي على ضميره الجمعي، فيدفعه إلى تطرف عنيف مضادٍ له دفاعاً عن هويته وحماية لعقيدته، فلكل فعلٍ ردُّ فعل مضاد له في الاتجاه ولكنه في حالتنا قد لا يكون مساوياً له في المقدار بل قد يكون مضاعفاً له أضعافاً مضاعفة، وهذا يدخلنا في دوامة من التطرف والتطرف المضاد، وقد يتطور الأمر إلى اللجوء للقوة والبطش لتصفية الحسابات وإسكات الخصوم وحسم المواقف.
لقد أثبت الواقع أن الناس قد يتسامحون في حقوقهم الشخصية ويغفرون الإساءات الذاتية، ولكنهم لا يتسامحون أبداً مع من يسيئون لأديانهم أو يمسون بمعتقداتهم؛ وهو ما بينه القرآن الكريم بقوله تعالى: :” ولاتَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ”،فالآية تنهى عن سبِّ ألهة الأخرين وتسفيهها حتى لا يؤدي ذلك إلى استفزازهم واستثارة حفيظتهم، ويدفعهم للتطرف والسُّباب والشتم دفعاً عن عقيدتهم.
مشكلة هذا التطرف أنه عاجز عن إدراك حقيقة الدِّين وغيرُ قادر على إدراك أهميته وحساسيته بالنسبة للمجتمع، فإذا كان المتطرف لا يرى في الدين حاجةً من حاجاته ولا حتى من كمالياته، فليس ذلك بلازمٍ للكل، فغيره لا يراه مجردَ حاجة بل هو ضرورة من ضروريات حياته.
لا شك في أن التطرف مذموم ومنبوذ مهما كان شكله ومسماه، وإذا كان هناك بعضٌ من مظاهر التطرف الديني أو التعسف في فهم الدِّين وتطبيقه فعلاج ذلك لا يكون بتطرف مضاد، فالتطرف لا يواجه بالتطرف؛ لأن المتطرفين مصابون بالداء ذاته وهم عاجزون عن علاج ذواتهم وإصلاح أنفسهم، فكيف يعالجون أمثالهم ويصلحون نظراءهم ؟! ففاقد الشيء لا يعطيه.
وما نود التأكيد عليه هنا أنه لا ينبغي بحال ولا يجوز أبداً أن يكون التطرفُ الديني مبرراً لمهاجمة الدين ذاته، أو يكون العنف الذي يَتخذ من الدِّين ستاراً له مسوغاً للبعض للمسِّ بقدسية الدِّين أو الإساءة إلى المتدينين -لأنهم متدينون- أو الانتقاص من حقوقهم المادية والمعنوية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock