أفكار ومواقف

التعاون والتنافس و”التعافس”

التعاون لغةً: تبادل المساعدة، أو التعاضد، أو التكاتف، أو التآزر. وتعاون على: تآزر لبلوغ الهدف نفسه أو الغاية نفسها. وتعاون مع: تبادل المساعدة والمؤازرة للقيام بعملٍ مشترك.
أما التنافس، فيعني المُزاحَمة في أمر من دون إلحاق الضرر بالمُنافس. والمنافسة شعور يحمل على مسابقة شخص أو فريق في مباراة للفوز فيها. أما في التجارة، فتعني المسابقة والمضاربة لاكتساب الأسواق وانتزاع الزبائن (المنجد في اللغة العربية المعاصرة، الطبعة الرابعة، 2013).
لكن القواميس جميعاً لا تشير إلى تنافس المرء مع نفسه، ومحاولة التفوق عليها في كل مرة؛ وهو أرقى أشكال التنافس.
والتنافس في الطبيعة البيولوجية، وبالتالي السياسية والاجتماعية، ثلاثة أنواع: تنافس إبادي، كما في محاولة نوع بيولوجي القضاء على نوع آخر، و”سياسي” كما فعل المهاجرون الأوروبيون إلى أميركا بسكانها الأصليين (الهنود الحمر) لاحتكار البقاء في المكان. والنوع الثاني، تنافس طارد لاحتكار المكان/ البقاء كالذي تقوم به إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. والثالث، تنافس تعاوني أو “تعافس” كما بين دول الاتحاد الأوروبي مثلاً.
و”التعافس” كلمة ركبتها من الكلمتين: تعاون وتنافس. وتقابلها بالإنجليزية كلمة مركبة مثلها: “Coopetion”، ويعني التعاون والتنافس معاً كما في بعض الأنواع الحية، والأنظمة الديمقراطية، حيث لا يقلب الحزب الفائز في الانتخابات ظهر المجن للحزب الخاسر فيها، أو العكس، بل يتعاونان ويتنافسان لما فيه الصالح العام بانتظار الجولة المقبلة من الانتخابات.
و”التعافس” نتاج نظم اجتماعية وسياسية وديمقراطية تؤكد التقدم والإبداع والابتكار.
في بلاد العرب والمسلمين لا تنتج نظمهم مثل هذا “التعافس”، لأنها تقوم على التنافس الطارد، وأن كل طفل أو تلميذ في المدرسة أو طالب في الجامعة مربوط بعرقوبه، ولا يتعاون مع زميله في التعلّم كيلا يتفوق عليه. وتشهد على ذلك طبيعة الامتحانات المدرسية والعامة والجامعية القائمة على الفردية المطلقة.
نعم، يتحدث العاملون في التربية والتعليم على استحياء عن التعليم التعاوني، إلا أن هذا التعليم شاذ عن القاعدة، وسرعان ما يتبخر أثره بالامتحانات المدرسية والعامة والجامعية، الفردية.
في كتاب جديد بعنوان “مبتكرون” (Innovators, 2014)، لمؤلفه الأستاذ والتر أزكسن، عرض مثير جداً لعمل رواد الثورة الرقمية، وكيف تمكن كل منهم بـ”عمل الفريق” (Team Work) من إنجاز انطلاقته الخارقة (Breakthrough).
يبين المؤلف في كل مرة يتناول فيها عمل أحد هؤلاء العمالقة -وهم كثر- مفهوم الفريق وأثره المحوري في تحويل الأفكار والخيال إلى حقيقة أو منجز. ويضرب مثلاً على فشل الأستاذ جون أنتانسفت من جامعة أيوا الحكومية في تحويل الكمبيوتر الذي اخترعه بنفسه ووحده في ثلاثينيات القرن الماضي إلى منجز يتهافت عليه الناس في الأسواق والأعمال، وكيف أنه انتهى في غرفة خزين في الجامعة ونُسي، لأنه قرر أو فضل العمل وحده كيلا يشاركه بالفضل أحد.
***
يقول المفكر الاقتصادي المعروف بيتر دراكر: إن لـ”البزنس” وظيفتين أساسيتين، هما المنافسة والابتكار. وإن ما عدا ذلك كُلفة.
وفي تعليقهم على قوله قالوا: إن لـ”البزنس” وظيفة رئيسة واحدة هي الابتكار، لأن المنافسة بحاجة إلى ابتكار.
***
ويقول جاكوب رينبو، وهو مخترع أميركي مشهور: إنك تخترع من أجل الاختراع، فأنا لا أبدأ عملي بالسؤال: هل يأتي بالمال؟ (You Invent For The Hell Of It).
***
وعلى منواله قال الروائي المصري المشهور نجيب محفوظ: إنني أحب عملي أكثر من حبي لما ينتج عنه. أنا مكرس له بغض النظر عن نتائجه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock