أفكار ومواقف

التعديل الوزاري وانتظار الدخان الأبيض

ما إن تتشكل أي حكومة في الأردن وبعد الانتهاء من نيلها الثقة وأحيانا قبل ذلك حتى يبدأ الحديث عن موجبات التعديل الوزاري وأهميته لترسيخ الانسجام بين الفريق الوزاري أو لرغبة الرئيس بالتحلل من بعض الوزراء الذين جاؤوا خارج إرادته، خصوصا إذا كانوا يمثلون بعض مراكز القوى، بالإضافة لشهية الاستيزار الدائمة والرغبة في إرضاء من تعذر إيصالهم في التشكيل أو استجابة لضغوط النواب وإن كانت الحكومات لم تعد تقيم وزنا كبيرا لإرضائهم. هذا صار مفهوما في السياسة الأردنية باعتباره فلكلورا سياسيا وغدا ماركة مسجلة أردنيا. وعندما نتابع كيف تتشكل الحكومات في الدول الديمقراطية وحتى بعض الدول التي لا يوجد لديها تراث ديمقراطي عريق نشعر بالأسى من حالتنا وعندما نقترب أكثر من بعض الوزراء نشعر بالدهشة أكثر ونتساءل كيف يمكن لهم أن يتعاملوا مع تحديات مصيرية قد تواجه بلدنا في أي لحظة!!.
لا يعرف الناس كيف يتم اختيار الفريق الوزاري وكيف يتم إجراء التعديلات الوزارية ولا يوجد وحدة علمية لقياس أداء أي وزير حتى نعتمدها كمرجعية يمكن الحكم عليها لبقاء الوزير في الحكومة أو مغادرتها، كما أن استطلاعات الرأي التي تجريها مراكز دراسات موثوقة كمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية ومركز نماء للدراسات وغيرها تقابل بحالة انكار للأسف بالرغم أنها مراكز رصينة لديها مصداقية وموثوقة محليا وعربيا وعالميا وتوضح لنا وبالأرقام تراجع ثقة الناس في قدرة الحكومة رئيسا وفريقا في تحمل مسؤوليتهم والتعامل مع التحديات الاقتصادية والاستجابة لكتاب التكليف الملكي السامي. مثلا نجد أن الاستطلاع الأول عند تشكيل حكومة الدكتور عمر الرزار أظهر أن 65 % من العينة تثق بقدرة الحكومة في تحمل مسؤوليتها وربما كان ذلك نتاج حالة تفاؤل سرعان ما تبددت لاحقا عندما ظهرت أسماء الفريق الوزاري، ثم جاء الاستطلاع الثاني بعد مائة يوم ليتراجع إلى 42 % والاستطلاع الأخير بعد مائتي يوم تراجع بنقطة واحدة ليصبح 41 % وكل المؤشرات أن الاستطلاع الرابع بعد مرور عام على تشكيل الحكومة لن يكون أحسن حالا بل ربما تنهار الثقة أكثر.
ربما من العدل القول إن هناك تركة ورثتها هذه الحكومة عن سابقاتها فالوضع الاقتصادي هو نتاج تراكمات تتحمل وزرها الحكومات السابقة وبنسب متفاوتة وإن كانت آخر حكومتين لهما النصيب الأكبر وهو ما تؤكده أرقام المديونية فالإصرار على جلد هذه الحكومة وحدها ربما يجانبه الصواب وإن كانت المشكلة الأساسية معها في أنها حكومة حالمة ورومانسية أكثر مما يجب في وقت نحتاج فيه للواقعية التي تستدعي مصارحة الناس بحقيقة وضعنا الاقتصادي والسياسي وأن تملك الشجاعة في ذلك وتبتعد عن الشعبوية.
إذا لم يشكل التعديل العتيد حالة فارقة في الأداء الحكومي يلمس الناس له أثرا حقيقيا ومنتجا سواء من ناحية دخول شخصيات سياسية وازنة ولديها رصيد وافر من الاحترام والثقة ولم تكن ممن يثار حولها لغط أو جربت في العمل الوزاري سابقا أو من ناحية خروج الوزراء الذين يشكل بقاؤهم استفزازا للشارع فلا داعي له، ومن المهم ألا تسيطر فكرة استخدام المسكنات الموضعية تلافيا لاحتمالية عودة الاحتجاج في رمضان وبالتالي قد يكون التعديل حركة استباقية قد يعجل بالرحيل؛ فالحكومة نفسها تعترف وعلى لسان وزير الدولة الناطق الرسمي أن حجم انعدام ثقة الناس بالحكومة كبير جدا، فهل ينجح التعديل في إعادتها؟!
سننتظر صعود الدخان الأبيض من دار الحكومة في الرابع والذي لا نتمنى له ألا أن يكون أبيض فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock