آخر الأخبار حياتناحياتنا

التعلق المرضي بأشخاص وأماكن يفقد الإنسان بوصلة الطريق!

ربى الرياحي

عمان- حالة من الضياع والحزن والألم تعيشها الثلاثينية رشا مراد بعد سفر ابنة أخيها، إذ تشعر أن الحياة توقفت عند تلك المرحلة وأنها لم تعد قادرة على الاستمتاع بأي شيء، وتفتقد اليوم وبعد مرور سنة كاملة على غياب ابنة أخيها للفرح وللابتسامة الحقيقية النابعة من القلب.
تقول “معها كنت أنسى نفسي وأعود طفلة صغيرة ببراءتها وعذوبة حركاتها كانت تأسرني وتأخذني إلى عالم آخر”، مبينة أن حرمانها من الأطفال وصعوبة تحقيقها لحلم الأمومة جعلها تتعلق بها كثيرا، وترفض تجاوز تلك المشاعر السلبية رغم أنها أرهقتها وكبلتها”.
وتتابع من عينيها المشعتين بالحب ترى الحياة وتستشعر جمالها هي بالنسبة لها الأمل والنقاء والسعادة ظلت تعتقد أنها تعويض لكل ما مر عليها من حرمان ووجع وخوف وأن الحياة أنصفتها بها. تغير واضح تلمسه رشا اليوم في شخصيتها يستنزفها يبدد حتى سعادتها بتلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنحها القوة والرغبة في الحياة إحساسها بأنها باتت وحيدة وأنها فقدت جزءا من روحها يجعلها تقرر الوقوف في المنتصف مكتفية بالنظر إلى الخلف وكأن عقارب الزمن هي الأخرى تعطلت معلنة الاستسلام لشعور المرارة.
في الحياة أشخاص تحكمهم المشاعر تسيطر عليهم وتبقيهم قلقين مشتتين يشعرون بالغربة حتى عن ذواتهم، هذا النوع من المشاعر يعيق الكثيرين عن الاستمرار في الحياة، كما أن هؤلاء تحديدا يجهلون أن هناك خيطا رفيعا يفصل بين الحب الطبيعي المشروع وبين التعلق الخانق. احتكامهم وانتماؤهم يكون فقط لمشاعرهم رغم أنها تنسيهم أن لهم أهدافا كغيرهم تنتظر منهم أن يحققوها أن يصروا على ملاحقتها لكنهم يقررون التغاضي عن كل ما يخصهم مكرسين وقتهم ومشاعرهم وطاقتهم من أجل أشخاص لهم حياتهم المستقلة.
سيف إبراهيم شخص آخر تتملكه مشاعر التعلق ويصر على تكريس كل وقته للعمل وجمع المال هو وبدون تردد يقرر أن يحصر نفسه في عالم الأرقام والربح والخسارة غير آبه بتلك الزوايا الأخرى التي من شأنها أن تفتح أمامه أبواب السعادة وتقربه من أشخاص أنسته إياهم المادة وسقطوا من حساباته في زحمة المشاغل.
تعلقه الشديد ورغبته في أن يكون شخصا ثريا سببان لحرمانه من أن يعيش مع أبنائه وزوجته كل التفاصيل مستمتعا بدفئهم ومحبتهم. غيابه عن حياة فيها الكثير من الحب كان بملء إرادته ومع ذلك بدأ يشعر أنه بحاجة لأن يتحرر من سطوة المال عليه باحثا عن لحظات ضاعت منه لم يستشعر قيمتها وعلاقات تشوهت، وباتت تحكمها المصالح المادية.
سيف ورغم أنه أصبح أكثر إدراكا لحقيقة تلك المشاعر المؤذية والتي تبقيه غير قادر على استرجاع ما فاته، إلا أنه يفضل أن يختنق بها على أن يخسر كل شيء.
سها علي تستغرب كثيرا من ذلك الشعور الذي ينتابها عند زيارتها لمكان عملها السابق. تقول علاقتنا بالأماكن التي نحبها وتعنينا تلازمها في أغلب الأحيان أحاسيس يصعب علينا تفسيرها فهي تسكننا ونسكنها وتصبح جزءا لا يتجزأ منا نشتاق إليها باستمرار.
وتضيف أن تأقلمها في عملها الجديد لم يكن أبدا أمرا سهلا بل أخذ وقتا طويلا، “فنحن نضطر مرغمين للاستغناء عن أشياء بدافع التغيير ولأننا نحتاج دائما للتطور والبحث عن طرق جديدة للنجاح”، وتتابع أن سعادتها مرهونة بذلك المكان رغم ابتعادها عنه، وشيء ما يشدها دائما لزيارته والوقوف عند ذكريات تخصه هو وحده لن تتكرر أبدا.
تقول مشاعر الحنين والانتماء والتعلق تلك تفقدها فعليا الرغبة في إقامة علاقة حقيقية مبنية على الحب مع المكان الجديد. لهذا السبب تشعر بأنها مقيدة تقف على أنقاض الماضي وتنسى أن هناك حاضرا ينبغي أن تعيشه بمعزل عن شعور التعلق الذي يضيق عليها الخناق ويبعدها عن مستقبل يحمل لها بين أيامه الخير الكثير.
الأخصائي الاجتماعي محمد جريبيع يرى أن للأشخاص والأماكن تأثيرا كبيرا على حياتنا كما أنهما يلعبان دورا رئيسا في تكويننا لتلك السلوكيات والقيم ونظرتنا للحياة وحتى الذكريات، موضحا أن لجوء الشخص للتعلق بشتى أنواعه سببه الأول البحث عن الأمان والمساندة والحاجة الملحة للتقدير.
ويذهب إلى أن الارتباط الشديد بالمكان في حقيقته ارتباط روحي يفسر تحديد الانتماء للمشاعر والعواطف التي تبني علاقة الشخص بكل ما يحب وتخلق عنده ذاكرة خاصة تختزل فيها كل التفاصيل الصغيرة المحرضة على الشعور بالتعلق.
ويلفت جريبيع إلى أن التعلق السلبي يفقد الإنسان بوصلة الطريق ويكون عائقا حقيقيا يحول بينه وبين استمراريته وحبه للحياة ولأهدافه، مبينا أن التخلص من مشاعر التعلق يتحقق من خلال الإصرار على نسيان الذكريات المتعلقة بالشخص أو المكان وتجاوزها وضرورة مواجهة كل الأفكار والرغبات السلبية الناتجة عن تلك العلاقات السامة المؤذية بالإضافة إلى أهمية تحويل طاقة الألم إلى شيء إيجابي.
ويقول الأخصائي النفسي د. عبد الله أبو عدس إن التعلق هو أحد الدوافع الحياتية الرئيسة الذي يأتي ضمن سياق محدد تربطه العلاقات الاجتماعية، وهو أمر ينتج عن علاقات الإنسان اليومية مع الآخرين.
ويبين أن التعلق طبيعي لحد معين إذا زاد عنه يصبح التعلق مرضي، والتعلق يبدأ مع الطفل منذ الولادة بتعلقه بوالدته ومن ثم تعلقه بأبيه والمدرسة حتى يصل إلى مرحلة التعلق بالمجتمع وقد يتعلق الفرد بشخصية معينة أو مادة معينة، ويكون ذلك من أجل إثبات وجودية الذات وتقديرها ويجب أن يكون هذا التعلق طبيعيا، أما في حالة المرضي كأن يتعلق الإنسان بصديق أو أمر معين بشدة مما يؤدي إلى دخوله بحالة قهرية إلحاحية لا تعطي للشخص خصوصيته.
وجريبيع يقول إن ذلك يؤثر على ثقته بنفسه وعلى رؤية الآخرين له، فمعظم الأشخاص يجدون صعوبة في اتخاذ القرارات مع غياب القدرة على التواصل مع الآخرين، فالتعلق بشخص ما يسبب عائق كبير لهم حيث يلجؤون له في عند اتخاذهم لقراراتهم مما يجعله يتحكم بهم ويسيطر عليهم حيث إنهم يشعرون بخوف دائم من فقدانه.
ويوضح جريبيع أن هذه المشكلة عادة تنتج منذ الطفولة نتيجة الخلافات الأسرية التي لا تشعرهم بحب الاب والأم، وبالتالي وقد يكون أيضا بسبب عدم تفريغ المشاعر، فالتعلق بشكل عام يؤثر على جميع مسلكيات الحياة كالدراسة والعمل أو أن يؤدي إلى خلافات، وحتى يتم التخلص من التعلق المرضي يجب اللجوء إلى طبيب نفسي مختص ولا بد من تفريغ المشاعر بطريقة مقبولة اجتماعيا والبحث عن سبب المشكلة الأساسي ووضع برنامج وخطط عمل ليكون لهم شخصيتهم الخاصة والرضا عن الذات وممارسة النشاطات الإيجابية كالكتابة أو المطالعة أو الرياضة والتعرف على أصدقاء جدد تشعر الإنسان أنه شخص مرغوب فيه وأنه مميز بصفات معينة.

انتخابات 2020
12 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock