آخر الأخبار حياتناحياتنا

التعلق بالمقتنيات القديمة.. هل يحمل دلالات نفسية؟

ديمة محبوبة

عمان- ربما هي قطع صغيرة، لا تحمل قيمة مادية عالية، لكنها لدى أفراد تشكل معاني وذكريات كبيرة في الحياة، ومحطة أساسية، فكلما شاهدوا مقتنيات يحتفظون بها أثارت داخلهم حنينا وشوقا للماضي بكل ما فيه.
ويصل حد التعلق بهذه المقتنيات لدى فئات عديدة، حد “الهوس” أحيانا، وكأنها اختارت أن تقف عند زمن معين، من دون مغادرته، في حين أن آخرين لا يلتفتون للماضي بأشكاله، وتبقى هذه المقتنيات التي يملكونها تمثل ذكرى حصلت في وقتها ولا يعودون إليها.
احتفاظ الشخص بقصاصات الورق، أو هاتف خلوي قديم، أو كاميرا قديمة أو صور قديمة ضاعت ملامح أصحابها وتفاصيلها، أو ربما ورقة من وردة ذبلت وعدت عليها سنين عديدة، أو تحفة مضى عليها عشرات السنوات، أو جهاز لسماع أشرطة تسجيل قديم، وأحيانا قطعة من القماش قديمة، جميعها أشياء بعيون البعض قد لا تعني شيئا وما هي إلا كراكيب عفا عليها الزمن. لكن في عيون من يحتفظون بها ما هي إلا تاريخ وذكريات مع من يحبون ومن لهم مكانة في قلوبهم، منهم ما يزال حيا ومنهم من توفاه الله.
هذه المقتنيات تعني الكثير لأصحابها وفيها ذكريات ومواقف لا تنسى مع الزمن، ورغم عدم رؤيتها أيضا لسنوات عديدة مخبأة في صناديق قديمة أو في مخازن البيوت، إلا أنها تكون ملجأ وأمنا وحماية للشخص، عندما يعود إليها، وكأنه عاد إلى نقطة تجعله في مكان آمن بين ذكريات وأشخاص عزيزين عليه.
قد يكون البعض لا يعنيهم الماضي بكل تفاصيله، ولا يتوقفون عنده، ولا يسعون للاحتفاظ بمقتنيات قديمة، في حين أن كل قطعة تشكل قيمة ما عند مالكها، وتعيده للحظات لا يريد الانفصال عنها.
صندوق أميرة فيه الكثير من الذكريات؛ إذ تسميه بالفعل بـ”صندوق الذكريات”، تحتفظ فيه بقطع تشكل مراحل حياتها منذ طفولتها وحتى الآن، فليس كل ما يمر بها يترك أثرا كبيرا في تفاصيلها، وعندما فتحت صندوقها وبدأت بالشرح عن مكنوناته، فقالت “هذه أول دمية صنعتها لي جدتي، وأول شريط لعبدالحليم حافظ كان أهداني إياه والدي، وبطاقة معايدة كتبت باسم عائلتي لعيد ميلادي، ووردة جفت في دفتر مذكراتي لصديقات المدرسة، وورقة تركت في دفتر ملاحظاتي الجامعية لم أعرف لمن هي حتى اليوم، لكنها حملت مشاعر بريئة وتركت في نفسي أثرا كبيرا، والكثير الكثير من القصاصات والذكريات الجميلة والتي لن يفهمها ولن تترك أثرا في نفس أي شخص إلا أنا”.
في حين أن الستينية أم وسام، تعلقها بالأغراض مختلف قليلا، فهي تحتفظ بأطقم السفرة منذ زواجها، وقسمت هذه الأطقم بين أولادها لتكون ذكرى لهم؛ إذ أهدت ابنتها سلسلة ذهب مع تعليقة قلب صغيرة عمرها 68 عاما وكانت لها منذ عامها الأول، كما تحتفظ بالكثير من المطرزات التي قامت بصنعها مع والدتها في الصغر، وأول فستان حمل لها قد أهداها إياه زوجها من تركيا في إحدى سفراته إليها.
تقول أم وسام “هذه الأغراض هي بمثابة شيء لا ينتهي نوعا ما، فمن الممكن أن تنتهي اللحظة أو يتوفى صاحب الذكرى ومن الممكن أن تنهي العلاقة، لكن ما ورث من هذه العلاقات يبقى موجودا خصوصا لو أهدي للأشخاص القريبين والمهمين في الحياة بما يسهم بترك أثر كبير في حياتهم، ومن الممكن أن يكون ذكرى جميلة لهم خصوصا بعد الوفاة”.
اختصاصي علم الاجتماع د.حسين خزاعي، يؤكد أن هذه العادات بعضها موروث وبعضها يكمن من الاحتياج النفسي بالاحتفاظ بالذكرى لأهميتها في حياة الفرد، ولا يجب الاستهانة بهذه المشاعر فهي مهمة لصاحبها، لكن من دون أن تصل لحد الهوس في المقتنيات.
ويؤكد اختصاصي علم النفس د.موسى مطارنة، أن حب الاقتناء لما هو قديم ما هو إلا حالة للحفاظ على الأمان والحب والذكرى وارتباطها بمناسبة معينة، لكن ينبغي أن لا تزيد حالة التعلق بالمقتنيات لتصل لحالة من الهوس، أو الارتباط بالماضي فقط من دون الالتفات للحاضر، وهنا ينبغي مراقبة الشخص ومراجعة أطباء نفسيين للتخلص من التعلق المرضي عند الأشخاص، فمنهم من هم مهوسون بالاحتفاظ بكل شيء بلا تحديد ولا معنى.
وذلك، وفق المطارنة، مؤشر غير صحي حينما يزداد التعلق، فالاحتفاظ بالمقتنيات القديمة أو الخردة قد يصل لحد الوسواس القهري، في حال زاد على الحد الطبيعي، مبينا أن مريض الوسواس يختلف عن الآخرين في الكميات الضخمة التي يقوم بتخزينها والاحتفاظ بها، وكذلك الارتباط العاطفي الشديد بأشياء عديمة القيمة، والقيام بتخزينها، مثل ورق الجرائد، الملابس القديمة، المواد الغذائية، الكتب، الأوراق، البريد القديم، أجهزة قديمة، وهكذا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock