أفكار ومواقف

التعليم عن بعد.. هل نجحنا؟

في حديث مع عدد من طلبة المرحلة الأساسية حول التعليم عن بعد، أثار الصغار أسئلة كثيرة ومقترحات متنوعة حول أساليب التعليم الذي تتبعه مدارسنا. العديد من الطلبة يرون أن التعليم مجد ومناسب، لكنه يفتقد الى العديد من العناصر والخصائص التي طالما أكسبت العملية دينامية وحيوية وإثارة يصعب إنتاجها في أجواء التواصل عبر الوسائل الالكترونية التي يستخدمها الطلبة والمدرسون للمرور على المناهج والمقررات.
كثافة الوظائف والواجبات التي يحيلها الأساتذة للطلبة أصبحت عبئا يضيف لما يعانيه الأطفال من قلق ومخاوف نتيجة انتشار وتفشي الوباء وإصابة بعض أفراد الأسر وسماع الأطفال أنباء الوفيات التي تتزايد يوما بعد آخر.
يعرف الأطفال والأهالي أن التعليم عن بعد كان البديل المتاح لهم في ظل ظروف الجائحة وتنامي خطر انتشارها بين أقرانهم وأسرهم ومجتمعاتهم. كما يعرف الجميع أن الانتقال الى النمط الجديد للتعليم يوفر فرصا مهمة للاستمرار في التعليم بالرغم من تبني المجتمع سياسات التباعد الجسدي. في هذا النمط التعليمي القائم على التكنولوجيا، يحرص الطلبة وأهاليهم على إدامة التواصل مع المدرسين ويبذلون جهودا قصوى في الاستعاضة عن التواصل الوجاهي بأشكال الرسائل والتفاعلات التي يبتدعها الأساتذة والمدرسون لنقل محتوى المنهاج والتدريب على اكتساب المعارف والمهارات والسلوك.
بالرغم من إقرار الجميع بأهمية هذه العملية وضرورة استمرارها، إلا أن الأجيال أصبحت تشعر بالفقد التدريجي للكثير من المتعة التي تحققت لهم عبر التعليم الصفي وما توفره من تفاعل اجتماعي وعاطفي وبدني وروحي وفر لهم الشروط الضرورية للنمو والصحة النفسية. اليوم، ما يزال النمط التعليمي رتيبا يلقي بأعباء كبيرة على الطالب الذي يرزح تحت أعباء وضغوط نفسية يصعب تحملها.
الكثير من الآباء والأمهات يتبادلون الملاحظات حول التغيرات التي طرأت على شخصيات الأبناء الذين أصبحوا أكثر حساسية وتوترا بعد قضاء أكثر من خمسة أسابيع في التعلم عن بعد. أصوات المدرسين والمدرسات القادمة عن بعد أفقدت الطلبة حيوية الصفوف وأرهقت ذاكرتهم وهم يحاولون التذكر والربط والتصور للقاعة الصفية التي اختفت ليحل محلها ملامح المدرس وصوته الرتيب.
لا أعرف فيما إذا عملت الوزارة وشعب التخطيط والتقييم فيها على دراسة فاعلية أساليب التعليم للمواضيع المختلفة ودرجة انسجام وتفاعل الطلبة ومدى الحاجة الى إجراء تعديلات على الطرق والأساليب والجداول التي تقدم فيها المواد.
الآباء والأمهات يحتاجون الى رسائل مطمئنة من جيوش التربويين الذين يشغلون الفضاء الأكاديمي حول جدوى التعليم عن بعد وتقييم فعاليته وآثاره على شخصيات الطلبة. حتى اليوم لم نسمع من أي من آلاف الأساتذة الذين يتزاحمون لعرض سيرهم الذاتية كلما شغر موقع إداري أو أكاديمي باعتبارهم أهلا لاستحقاق متأخر.
منذ أيام، عرضت وسائل التواصل الاجتماعي فيديو لأحد صفوف التعلم عن بعد في جامعة هارفارد الأميركية. في المقاطع التي شاهدها الجميع نموذج فيه توظيف رفيع للتكنولوجيا بحيث بدا التعليم أقرب ما يكون للنماذج الصفية التي نعرفها.
كنت أتمنى، وما أزال، أن تعنى مؤسساتنا التعليمية والبحثية بتطوير التجربة والاهتمام بهذه العملية وإكسابها الروح والمستوى العالي من الجودة. الضغوط التي يتعرض لها الأطفال والأهالي بحاجة الى تفهم وإسناد، والعملية التعليمية لا ترتقي دون بحث يفضي الى التطوير والتقييم ينبغي أن يكون روتينيا دائما لا ينتظر الى ما بعد فوات الأوان.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock