تحليل إخباري

التعليم والصحة بين القطاعين العام والخاص

أنس المحتسب

لا يخفى على المراقب أن التعليم الحكومي بات يعاني أزمة تزايد أعداد الطلبة المهاجرين من المدارس الخاصة، ما فاقم الأعباء التدريسية والمالية وغيرها على الحكومة التي وجدت في التعليم المدمج سبيلا للتخفيف من تلك الأعباء. أما القطاع الخاص فيمكنه العودة للتعليم الوجاهي ما دام مصدر الدخل هو جيب أولياء أمور الطلبة، ولا بأس بعد ذلك لو تعززت الفجوة بين طلاب المدارس الخاصة وطلاب المدارس الحكومية.
الخطير أن هذه الفجوة مرتبطة بفجوة الصحة وفجوة الفقر، فيصبح الغني هو الأقدر على تحصيل التعليم الجيد والأقدر على التمتع برعاية صحية أفضل، ومن يتمتع بصحة وتعليم أفضل يكون غالبا أقدر على تحصيل دخل أعلى، وهكذا تتركز عناصر القوة (المال والتعليم والصحة) في يد فئة قليلة من الناس، وتبقى الغالبية تعاني ثالوث الفقر والمرض والجهل، والخاسر الأكبر هو المجتمع؛ حاضره ومستقبله.
لذا تجد أن الأمم الناهضة تحرص على إعادة توزيع الثروة وعدالة تقديم خدمات الرعاية الصحية والتعليم لجميع السكان -وليس المواطنين فحسب. فتجدها في الصحة تحرص على توفير الرعاية الصحية المناسبة للأفراد حيث يحتاجونها وليس بحسب قدرتهم على دفع كلفتها، وفي التعليم تحرص على تقديم خدمات التعليم بحيث يأخذ ابن البادية والقرية والمخيم والمدينة كلهم جميعا فرصة متقاربة -إن لم تكن متساوية- في رفع مستوى العلم لديهم وبروز النوابغ منهم.
خلال عقود مضت، توسع التعليم الخاص في الأردن بشكل كبير على حساب التوسع في التعليم الحكومي، الأمر الذي عزز تدريجيا الفارق في أجور المعلمين وبالتالي مستويات التعليم بين القطاعين. وقصتهم في ذلك شبيهة تماما بقصة القطاع الخاص في الصحة إذ جذب كثيرا من أصحاب الكفاءات الطبية المتخصصة حتى كادت وزارة الصحة تخلو منهم، وبالتالي فرغم توفر تأمين صحي مدني لدى كثيرين، إلا أنه لا يسعفهم عندما يحتاجون اختصاصا فرعيا فيضطرون إلى التضحية بصحتهم أو إلى إنفاق أكبر من جيوبهم -إن استطاعوا- حتى يحصلوا تلك الخدمة من القطاع الخاص. وهكذا أصبح التعليم والعلاج الخاص يستدعيان إنفاقا كبيرا يراكم الأعباء المالية على الأسر لتضحي بضرورات حياتية أخرى، والبديل الرضا بمستويات أدنى من التعليم والصحة إذا ما لجأت لخدمات القطاع العام.
هذا باختصار ما حصل، وهذا في المآل قاد إلى فشل منظومة التعليم والصحة معا، في القطاعين العام والخاص معا، فالكل مأزوم والكل سيخسر حتى لو حصل مكتسبات مؤقتة، وهذا منسجم مع النظريات الاقتصادية التي تقرر أن ترك هذه المصالح العامة لتنافس رأس المال يؤول في النهاية فشلا في المنظومة كلها، ولا بد دون ذلك من تدخل الدولة لتنظيم قطاعي التعليم والصحة ليبقيا مصلحة عامة ينتفع منها الجميع، خاصة وأن نفعهما يتعدى المنفعة المباشرة إلى سائر المنافع العامة، ولذا تجد دولا تعد قلاعا في الرأسمالية تسلك في التعليم والصحة سلوكا قريبا من الدول الشيوعية.
فهل يدرك أصحاب العلاقة بالمنظومتين التعليمية والصحية -وعلى رأسهم الحكومة- خطورة تلك الفجوة في التعليم والصحة؟ وهل يدركون أهمية الحوار لاتخاذ خطوات جريئة تعلو فيها المصلحة الجماعية على المصالح الفردية؟

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock