أفكار ومواقف

التعنيف على الالتزام..!

توقفتُ بضع ثوانٍ فقط للسماح لسيارة متوقفة على جانب الطريق بالانطلاق. ولم يكن ذلك وقوفاً مفاجئاً أربك الحركة؛ كان السير متوقفاً أصلاً وسرعة السير تقارب الصفر بسبب إنشاءات في الطريق. ومع ذلك، أطلق السائق خلفي بوق سيارته طويلاً في احتجاج غاضب مثل السُّباب، وكأنني ارتكبتُ عملاً رديئاً أستحق عليه التعنيف.
هذا النوع من السلوك الاجتماعي يتكرر في الشوارع وغير الشوارع، وكأنه علامة ثقافية: إذا توقفت لتسمح للمشاة بعبور الطريق، ولو عند ممر مشاة، ضجّ الذين خلفك واحتجوا عليك. وإذا تباطأت للتوقف مع الإشارة البرتقالية، صرخوا عليك وكأنك عطلت سير الحياة. وفي المجتمع، كان الأهل، والمؤسسات، يعنفون الأبناء إذا هم التزموا بقضية عادلة، أو مارسوا نشاطاً على أساس الدعوة إلى الحرية والكرامة والتقدم. وإذا أدى أحد عمله بإخلاص وأمانة ونظافة يد، فإنه لا يعدم من يلومه على “حنبليته” والتزامه العقل إذا جُنّ الرَّبع. وإذا اعتنق الفرد نوعاً مختلفاً من الفكر أو المعتقدات واستهوته الجِّدة والاكتشاف، اعتبروه نشازاً و”ثورجياً” وغرّبوه.
وحتى إذا ضحكَ المرء، أو ظهر عليه طرب بأغنية أو إيقاع موسيقى، ملتزماً بذلك الفرح وحب الحياة، اتهموه بالخفّة وقلة العقل. وقد يوصف الملتزمون بمراقبة أنفسهم والعناية بشؤونهم بدل مراقبة الآخرين وتفقُّد ما في أيديهم بأنهم منطوون أو بليدون لا يغارون. وإذا كنتَ عازفاً عن المشاركة في النميمة أو الشللية أو التآمر على غيرك أو تملق رؤسائك، وعصمتَ لسانك من الزلل، فأنت انعزاليُّ وغير مسلٍّ ولا يُعتمَد عليك. وإذا كنتَ لا تحب الشجار وعلو الصوت وترفعت عن المشاركة في الاشتباكات غير الضرورية، وصفوك بـ”الدرويش” إن لم يكن الجبان.
النتيجة، أن القليلين هم الذين يعملون وفق ما تمليه عليه ضمائرهم أو يظهرون بما هم عليه حقاً في جواهرهم من دون أن يخالطهم الشك. وكما يبدو، فإن قسماً يُعتد به من الناس لا يُعجبهم التزام الآخرين بالأخلاق الإيجابية أو القانون أو التسامح، أو عملهم وفق طرائقهم واختياراتهم التي لا تضرّ أحداً ولا تعني أحداً غير أصحابها. وليس في هذا التقدير مبالغة على الأغلب، فالدليل ملقى على قارعة الطريق: السير في الشوارع أشبه بالمنافسة والتدافع بالمناكب؛ والمساعي العامة والخاصة لا تسير بلا عوائق وخلل ومفاجآت؛ وثمة التجار والمهنيون الذين يغشون، والعاملون الذين لا يعملون، والمسؤولون الذين لا يُساءلون؛ والصاعدون على الأكتاف، والعصبيون والمتنمرون.
لكثرة ذلك وهؤلاء، أصبحنا نفرط في الشكر على مجرد أداء الواجب الذي لا يستوجب الشكر في الأساس. إنكّ إذا مررتَ بدوار على الطريق، وتوقف الآخر ليعطيك حقك في المرور قبله وفق القواعد، فإنك تجد رغبة في التلويح له بيدك والدعوة بأن يُكثر الله من أمثاله القليلين. وإذا راجعتَ دائرة فخدمك الموظفون وأنجزوا معاملتك بلا مماطلة ويسَّروا أمرك، فإنك تشعر بأنك محظوظ وتغمرك مشاعر الامتنان، لأنك مررت بتجربة تخالف النّمط. وإن استعنتَ بصاحب صنعة، فلم يغشك في نوعية العمل أو الأجر وجنّبك الشك المعتاد بأنك قد خُدعتَ، فذلك من أيام سعدك. وإذا سارتْ أمورك في الحياة بشكل معقول، من دون أن ترشي أو تتملق أو تستعين بواسطة أو تخون قناعاتك –وقلما تسير- فإنك ربما تعتقد بوجود عناية إلهيّة خاصة تتعهدك وتفتح لك الطريق.
لا شكّ في أن الخير موجود، لكنّ ميله إلى الندرة في المظهر الاجتماعي العام يعني فساد المنظومة –إذا جازت تسمية فوضى انهيار القواعد منظومة. وليس الفساد مجرّد اختلاس البعض أموالاً ممن يمتلكون إلى ذلك سبيلاً، وإنما هو مثل مرضٍ يبدأ من نقطة وينتشر بلا نهاية، حتى تظهر أعراضه عند كل مستوى ويصبح علاجه صعباً. وسوف يستوي في ذلك الذي يضيق بالتزام الآخرين بالقانون والأخلاق المرعية، والذي يشارك في مشاجرة جماعية بمنطق العصبة بلا سؤال عن المنطق والأسباب، وكل مَن يعمل بمصالح الآخرين ويعتدي على حقوقهم، أياً كان موقعه. ويكفي فساداً أن يكون الالتزام، بمعانيه الإيجابية، قد أصبح محلاً للوم أو الشك والتردد في أحسن الاحوال، إن لم يكن التعنيف!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock