أفكار ومواقف

التغيرات المناخية والتغيرات الحضارية

يعتبر التغير المناخي المتوقع أن يحدث بسبب ارتفاع معدل حرارة الأرض من أهم القضايا التي تشغل العالم، لدرجة أن الكتابة في الموضوع لم تعد تلفت اهتمام الناس، لكنها قضية تستحق الاهتمام الدائم والملحّ، وبالطبع فإن التغير المناخي ليس أمرا جديدا أو طارئا على الكرة الأرضية، كما أنه موضوع يشغل الباحثين والعلماء منذ عقود طويلة، وربما تكون كتب الزورث هنتنغتون (1876 – 1947) مثل المدنية والمناخ من أهم المراجع الكلاسيكية في هذا المجال، ويلاحظ هنتنغتون أن المناخ يعتبر العامل الرئيسي في وجهة وطبيعة الحضارات، فالمدنية كما يقول يجب أن تنشأ في بيئة ملائمة، وأهم عناصر هذه البيئة هو المناخ، إضافة إلى المكون الحضاري البشري، بل ويربط هنتنغتون التدهور الحضاري بتغير المناخ، كما يلاحظ على سبيل المثال في هجرات البدو على مدى التاريخ والجغرافيا والصراعات والحروب والتبادل التجاري والثقافي بين الأمم بسبب تحرك الموارد زيادة او نقصا بسبب التحسن أو التدهور المناخي.
ويمكن بالطبع ملاحظة أثر الفصول على وجهة وطبيعة الأعمال والموارد والأجور والتجارة والنقل والسياحة، فبعض الأعمال تنشط في الصيف وبعضها ينشط في الشتاء، كما أن العوامل المناخية تنشئ اتجاهات اجتماعية وحضارية وعلمية، إذ إن كثيرا من انماط الثقافة والسلوك والمهارات الاجتماعية والعلمية المعرفية مردها إلى التعامل الإنساني مع المناخ وتحدياته وفرصه.
وفي المقابل يعتقد العالم المتخصص بالمناخ روي دبليو سبنسر أن قضية التغير المناخي تعرضت لمبالغات، واستخدمت استخداما إعلاميا وهوليوديا، وتحول دعاة الاهتمام بالمناخ إلى نجوم واستعراضيين.
يقول سبنسر إن المخاوف البيئية التي استحوذت على العالم مصدرها تعزيز الشعور بالتهديد الذي تتعرض له الأرض والأثر الضار للحياة المعاصرة على البيئة، لكن الحياة الانسانية تتحسن وتتقدم، كما أن ظاهرة التغير المناخي تكررت في التاريخ دون أن يكون للإنسان دور في ذلك، إذ أنها حدثت قبل التطورات الصناعية والتكنولوجية المتهمة اليوم بأنها تسبب التغير المناخي! وكما ارتفعت حرارة الأرض فقد انخفضت لدرجة الخوف من عصر جليدي. لكن يبقى أن التغير المناخي حقيقة مؤكدة، وأن أثر الظاهرة على الموارد والمجتمعات والحضارات حقيقي.
والواقع أنه كما يقول سبنسر يصعب علميا التنبؤ بدقة بالكوارث والأحداث الكونية لأنها تتشكل على نحو معقد ولم يتعرف إليه العلماء بعد. العلم ليس هو الحقيقة لا يزال العلم لا يمتلك وسيلة للتمييز على نحو يعوّل عليه بين عمليتي الارتفاع الصناعي والارتفاع الطبيعي في درجات الحرارة، فنحن لا نستطيع وضع الأرض في مختبر وإجراء تجارب عليها، ولا توجد إلا تجربة احتباس حراري واحدة وجميعنا مشارك فيها الآن، ومع ذلك فإن البشرية لا تزال لأسباب تتنوع بين البقاء الاقتصادي والإنساني في حاجة إلى إجابات حول المستويات المستقبلية لارتفاع درجة الحرارة، ويجب أن يفعل العلم ما بوسعه لتوفير بعض هذه الإجابات قدر المستطاع، إن اليقين اللاعلمي سيظل دائما موجودا وسيتعين كذلك اتخاذ قرارات سياسية على الرغم من الشك العلمي. ولكن كما هو الحال غالبا مع مجالات البحث التي لها مثل هذه الدلالات السياسية والاقتصادية والدينية القوية يمكن لانفعالاتنا أن تؤدي بنا إلى المبالغة في قدرة العلم على توفير الإجابات التي نبحث عنها باستماتة، فيبدأ الناس في إساءة استخدام نتائج البحث العلمي لتسهيل التغيرات الاجتماعية أو السياسية التي كانوا يريدونها تتحقق بأي حال، وهي طبيعة بشرية صرفة حتى بالنسبة للعلماء.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock