أفكار ومواقف

التفكير النقدي والأسئلة المناسبة

كثيرة هي الكتب التي تحمل عنوان التفكير النقدي لدرجة يصعب الاختيار والتمييز بينها، لكن كتاب نيل براون وستيوارت كيلي، وترجمة نجيب الحصادي ومحمد السيد، قد يكون من أفضل الكتب في هذا المجال وخاصة للشباب وطلاب الجامعات لأجل التدريب واكتساب قيم التفكير الصحيح.
إن التفكير النقدي هو قيم أكثر مما هو مهارات، فالتفكير كمهارات علمية يتعلمها أو يكتسبها الإنسان من خلال التعلم والعمل والقراءة قد لا يوصله إلى الصواب من غير نزاهة وصدق في البحث عن الصواب، وببساطة هذا هو التفكير النقدي.
وبالطبع فأن يكون التفكير النقدي بحثا نزيها عن الصواب لا يغني عن اكتساب مهارات التفكير، فلا يمكن بطبيعة الحال تجنب التضليل من غير مهارات معرفية، ولا يكفي لأجل ذلك النزاهة، وفي ذلك فإن التفكير النقدي قلق جميل، لكنه ايضا نشاط مزعج للآخرين من السلطات والمسؤولين والقادة والمعلمين والزملاء والمدربين والمديرين والكتاب والمؤلفين، لأنه يعني بالضرورة محاكمة أفكارهم وحججهم وتقييمها، فهم يتعرضون للاختبار وربما الإحراج. يقول اشعيا برلين: لا يروق الناس أن تصبح جذورهم بادية في العراء، ويقول برتراند رسل: معظم البشر يفضلون الموت على التفكير.
الافتراض المؤسس للتفكير النقدي هو أن أحدا لا يحتكر الصواب، والحقيقة ليست في حوزة أحد، وقيمة الفكرة تكمن في وجاهة الأسباب المنشئة لها، والحوار مع الآخرين أفضل سبيل لفهمهم والإفادة من تجاربهم.
يقول مؤلفا الكتاب: لا نرغب في حرمانك من الشعور بأنك لم تعد في حاجة إلى عوننا، والمعنى الجميل فالتفكير النقدي يعتمد على الإنسان نفسه أكثر من التعليم والتدريب، لكنهما يقترحان أن يكون في مقدورك كمحصلة لاكتساب مهارات التفكير الناقد أن تعرف متى وكيف تطرح الأسئلة بطريقة منتجة للمعرفة، ما المسألة وما النتيجة؟ وما المبررات؟ وهل هناك أغاليط في الاستدلال؟ وما مدى وجاهة الشواهد؟ وهل الإحصاءات مضللة؟ هل استبعدت معلومات مهمة؟ ما النتائج الوجيهة الممكنة؟
وعلى نحو ما فإن التفكير النقدي هو فضيلة الشك أو عدم اليقين، والمفكر الناقد يعطي أولوية للشك على اليقين، ويبني المعتقدات على الأسئلة. يجب تقبل حقيقة أنه في مواجهة فقدان اليقين يجب عليك طرح الكثير من الأسئلة.
هل يصل المرء إلى مرحلة يكون فيها التفكير الناقد عملية يومية يسيرة لا تحتاج إلى بذل جهد؟ نعم يمكن، لكن يظل التفكير الناقد عملية مضنية حتى بالنسبة للخبراء في هذا المجال، وتتطلب تركيزا واستيعابا، لكنه مجهود لا يساوي إلا جزءا ضئيلا من الإنجازات والمكاسب الممكن الحصول عليها.
وفي خطوات عملية واضحة فإن مبتدأ التفكير النقدي في تحديد السؤال، أو كما يقال في التراث العربي “تحرير المسألة” ثم اختبار الإجابات والافتراضات والترجيح بينها، على النحو الذي يمنحنا فكرة أقرب ما تكون للصواب عن الماضي والحاضر والمستقبل.
نعلم ببساطة أن صاحب الفكرة يريد أن يقنعنا بنتائج واتجاهات وأفكار يدعو إليها ويعتقد أنها صواب، وفي المقابل يجب أن نعمل ما يجعلنا نعرف إن كان مصيبا أو مخطئا، وفي ذلك نحتاج إلى تحديد المسألة والنتيجة بوضوح، ثم نستوعب مسوغات الفكرة أو النتيجة، وملاحظة مدى قدرتها على تفسير الفكرة أو دعمها.
يضعف الفكرة غموضها، وربما يكون الغموض حيلة لتمرير الفكرة، كما يمكن أن يلجأ صاحب الفكرة إلى الأغاليط الاستدلالية، مثل الإحصاءات المضللة، أو تشتيت الفكرة أو انتقاد الأشخاص بدلا من أفكارهم.
وفي النهاية يجب أن تكون متيقنا من رغبتك في معرفة الصواب، وأن تعيد التفكير فيما سمعت أو قرأت، ثم اسأل إن كانت الحجج متسقة مع ما قيل أو كتب؛ إذ ليس أسوأ من استخدام مهارات التفكير للبحث عن الأخطاء او محاولة إثبات خطأ الآخرين.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock