أفكار ومواقف

التفكير والإبداع والابتكار في التعليم

التفكير عملية معقدة، وهي مستمرة داخل الدماغ، كونها “كل نشاط ذهني أو عقلي يختلف عن الإحساس، والإدراك الحسي أو يتجاوز الاثنين إلى الأفكار المجردة”. أو هي عملية تتأسس على الربط بين فكرتين. ورغم تعقيداتها، إلا أنها مستمرة ضمن مستويات متعددة.
لكن هذه العملية لا تتم بصورة واحدة، أو على نمط واحد ثابت، إذ تمتلك أنماطا عديدة تحددها القدرات الشخصية بما فيها من متغيرات عديدة، وأيضا العمليات المطلوب إنجازها في الدماغ.
أما الإبداع، فهو الإنشاء والاختراع، أو الإتيان بشيء جديد، أو تطوير شيء موجود وتحسينه ليؤدي وظيفة متقدمة عن وظيفته الأولى، سواء كان الأمر ماديا أو معنويا.
الإبداع، ببساطة هو القدرة على إزالة الصورة النمطية عن الأمور والأشياء العادية، والنظر إليها بطريقة مختلفة، أو من زاوية مختلفة تماما عما اعتدنا النظر إليه من قبل.
والتفكير مهارة يمكن اكتسابها وتنميتها وتوجيهها حسب الحاجات، ومن هنا ينبغي أن نعتقد جازمين بأنه ما من مكان أكثر تفضيلا من المدرسة ليتم فيها هذا الأمر.
في عدد من الأنظمة التعليمية المتقدمة، يتم تخصيص حصة أو أكثر، تناقش فيها التحديات في مجتمع الطلبة، بحيث يكونون على تماس بها أو اطلاع عليها. تمنح المدارس في هذه العملية الفرصة للطلبة لأن يعبروا عن أنفسهم فرادى، في التفكير في المشكلة ووضع تصورات لحلها، أو ضمن مجموعات.
في الأنظمة التعليمية الأكثر تقدما، يتم بناء المنهاج لمواجهة التحديات والمشكلات القائمة، بما يسمى problem solving، ما يجعل الطالب في عملية تفكير مستمرة في مشاكل مجتمعة، كونها جزءا من دراسته.
هذه العملية يطلق عليها التفكير الذي يسعى بطرق غير نمطية إلى تجاوز تحديات معينة مفروضة على المجتمع. إن العملية التي قام بها الطالب أو الطلبة للوصول إلى النتيجة النهائية بما تمثله من حلول، هي عملية التفكير، أما نقل النتيجة إلى موضع التنفيذ والعمل فتسمى ابتكارا.
من هنا نتبين الأهمية الخاصة والقيمة الحقيقية لتخصيص حصص مدرسية يتم فيها طرح تحديات ظاهرة، ليشارك الطلبة في التفكير باقتراح حلول لها، ولا بأس من أن تشتمل على واجب مشترك يعطى لمجموعات من الطلبة تتكون كل واحدة منها من 5 أو 6 طلاب، وكل مجموعة تختص بمناقشة مشكلة مختلفة.
من خلال عمليات كهذه، سيتمكن الطلبة من التعرف على كيفية التفكير بالمشاكل والتحديات، وتحليل عناصرها وتفكيكها، وصولا إلى وضع تصور للحلول المقترحة. إنها عملية تستطيع أن تكشف لنا الطلبة من ذوي القدرات التحليلية، والذين يمكن لنا الاستثمار فيهم لكي يكونوا نافعين للمجتمع، سواء في الوقت الراهن، أو في المستقبل.
لكننا نعود هنا إلى ركيزة أساسية تصطدم بها جميع الخطط النظرية التي يمكن أن نتبناها في عملية التخطيط الشامل للنهوض بالمنظومة التعليمية وأدواتها. فإذا قلنا إن التفكير بأنماطه المختلفة هو عملية قابلة للتعلم، فإنه يتضح لنا أهمية وجود المؤهلين لتحفيز الأنماط التفكيرية المختلفة لدى الطلبة. إنهم المعلمون الذين يتوجب علينا رفع تأهيلهم وتدريبهم، وتحسين أدواتهم بما يتلاءم مع المتطلبات المهارية للحاضر والمستقبل.
المعلم الجيد هو حجر الزاوية في تعليم هذه المهارات التي من الصعب تعلمها من خلال الكتب، فهي عملية يفترض بها أن تكون مهارية، أي قابلة للتعلم من خلال التدريب. المعلم الجيد يستطيع ابتكار منهجيات جديدة لذلك، أو تطوير وتطويع منهجيات موجودة في الأصل، واستخدامها مع طلبته لتحفيز آليات التفكير لديهم، وجعلهم ينظرون إلى الأمور من زوايا جديدة لم تكن ظاهرة لهم من قبل.
في خطوة تطويرية مثل هذه، يمكن لنا الاستفادة مما يقترحه علم تصنيف الأهداف التعليمية، والمصطلح على تسميته “تصنيف بلوم”، وتعديلاته مطلع الألفية الجديدة، لمستويات الأهداف الدراسية ونطاقاتها، خصوصا النطاق الإدراكي أو المعرفي الذي تم تقسيمه إلى ستة مجالات، المعرفة، الفهم، التطبيق، التحليل، التركيب والإدراك. أو “هرم بلوم المنقح” الذي تم تقسيمه إلى، التذكر، الفهم، التطبيق، التحليل، التقويم والابتكار. سيكون للحديث بقية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock