ترجمات

التقدم أو الحرب: عن الإسلاموفوبيا والتحولات الديموغرافية في أوروبا

رمزي بارود* – (كاونتربنش) 23/7/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لا تقتصر أزمة الهوية الأوروبية على الخلافات المستمرة بين الأوروبيين حول الاتحاد الأوروبي أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو كرة القدم. إنها تذهب أعمق من ذلك، وتصل إلى منطقة حساسة وخطيرة، بما في ذلك منطقة الثقافة والدين. ويقف المسلمون، مرة أخرى، في قلب الجدل الدائر حول الهوية في القارة.
بطبيعة الحال، نادرًا ما يتم تأطير المشاعر المعادية للمسلمين بحيث تبدو معادية للمسلمين. وبينما تظل الأحزاب اليمينية في أوروبا ملتزمة بالفكرة السخيفة القائلة إن المسلمين والمهاجرين واللاجئين يشكلون تهديدًا للأمن الشامل لأوروبا وهوياتها العلمانية الفريدة، فإن اليسار ليس محصنًا تمامًا من مثل هذه المفاهيم الشوفينية.
والخطاب السياسي لليمين مألوف، وغالبًا ما يُواجَه بالإدانة بسبب نبرته القاسية وخطابه القومي البغيض -إن لم يكن العنصري الصريح. أما اليسار فقصة مختلفة. يؤطر المنتمون إلى اليسار الأوروبي، لا سيما في دول مثل فرنسا وبلجيكا، “مشكلتهم” مع الإسلام باعتبار أنها أساسية من حيث تعارضه مع تفانيهم المفترض في ترسيخ القيم العلمانية للدولة.
وفي هذا الإطار، قال الرئيس ماكرون خلال كلمة ألقاها في تشرين الأول (أكتوبر) 2020: “ثمة مشكلة تنشأ عندما يريد البعض، باسم الدين، الانفصال عن الجمهورية، وبالتالي لا يحترمون قوانينها”.
وكان السياسيون والمفكرون اليساريون حريصين مثلهم مثل جماعة اليمن على منع السيدة إحسان حواش، ممثلة الحكومة البلجيكية، من العمل كمفوض في معهد المساواة بين المرأة والرجل (IEFH). ومرة أخرى، ضم الطرفان قواهما، على الرغم من عدم وجود إعلان رسمي عن الوحدة، لضمان عدم وجود مكان لحواش في العملية الديمقراطية في البلاد.
وكان ذلك تكرارًا لسيناريو مشابه حدث في فرنسا في أيار (مايو) الماضي عندما تمت إزالة سارة زمّاحي من قائمة مرشحي الحزب الحاكم لما زُعِم أنه انتهاكها، ظاهرياً، لقيم الجمهورية الفرنسية.
هذه مجرد أمثلة، وهي تقتصر بالكاد على البلدان الناطقة بالفرنسية. ثمة العديد من الأحداث المقلقة التي تشير إلى مشكلة عميقة الجذور ما تزال بلا حل. في بريطانيا، استقالت رخية إسماعيل، التي احتُفِل بها بداية كأول عمدة محجبة في البلاد في أيار (مايو) 2019، من منصبها بعد أقل من عام ونصف من وجودها فيه، بسبب العنصرية والتهميش.
وفي حين أن وسائل الإعلام البلجيكية والفرنسية والبريطانية تحدثت عن هذه القصص كما لو أنها فريدة ومقتصرة على كل بلد بعينه، إلا أنها في الحقيقة مرتبطة كلها ببعضها بعضا. وفي واقع الأمر، كانت كلها جميعًا نتيجة لظاهرة مسيطرة من التحيز ضد المسلمين، مقترنة بموجة من العنصرية التي ابتليت بها أوروبا منذ العديد من السنين، خاصة في العقد الماضي.
على الرغم من أن المؤسسات الرسمية في أوروبا ووسائل الإعلام الرئيسية والنوادي الرياضية وما إلى ذلك تواصل التشدق بالحاجة إلى التنوع والشمول، فإن الواقع على الأرض مختلف تمامًا. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك التوابع المروعة لهزيمة إنجلترا أمام إيطاليا في مباراة نهائي مسابقة الأمم الأوروبية لكرة القدم “يورو 2020”. فقد هاجمت عصابات من الإنجليز البيض، معظمهم من الذكور، الأشخاص الملونين، وخاصة السود، سواء في الشارع أو عبر الإنترنت. ويكاد مدى التنمر الإلكتروني، على وجه الخصوص، الذي يستهدف الرياضيين ذوي البشرة السمراء، يكون غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث.
وقد أدان مسؤولون بريطانيون مختلفون، بمن فيهم رئيس الوزراء بوريس جونسون، انتشار العنصرية. ومن المثير للاهتمام أن العديد من هؤلاء المسؤولين قالوا أو فعلوا القليل جدًا لمكافحة الكراهية والعنف ضد المسلمين في الماضي، الذي غالبًا ما كان يستهدف النساء المسلمات بسبب تغطية الرأس أو الوجه.
من المدهش واللافت أن جونسون، الذي يُزعم أنه يقود الآن حملة مناهضة العنصرية، كان أحد أكثر المسؤولين استخفافًا بالمسلمين الذي تحدث بشكل مهين عن النساء المسلمات في الماضي. وقد نقلت هيئة الإذاعة البريطانية عنه قوله: “النساء المسلمات اللواتي يرتدين البرقع يشبهن صناديق البريد”.
بطبيعة الحال، يجب النظر إلى الإسلاموفوبيا في السياق الأوسع للمشاعر السامة المعادية للاجئين والمهاجرين، التي تشكل الآن عوامل أساسية في تشكيل السياسة الأوروبية الحديثة. كانت هذه الكراهية والعنصرية بمثابة وقود للأحزاب السياسية الصاعدة مثل “الجبهة الوطنية” في فرنسا، و”فلامس بيلانج” في بلجيكا، و”حزب الحرية” في النمسا، والـ”ليغا” في إيطاليا. وفي الواقع، ثمة خطاب فكري كامل، مستكمل بنظريات جديدة، يُستخدم لتوجيه المزيد من الكراهية والعنف والعنصرية ضد المهاجرين.
وأين اليسار في كل هذا؟ مع استثناءات قليلة، ما يزال الكثير من اليسار عالقاً في غطرسته الفكرية، ما يضيف مزيدًا من الوقود إلى النار بينما يخفي اليساريون انتقادهم للإسلام ليبدو وكأنه قلق حقيقي على العلمانية.
الغريب في أوروبا، كما هو الحال في الكثير من الغرب، هو أن الصلبان ونجوم داود التي تُلبَس كقلائد، أو غطاء رأس الراهبات الكاثوليكيات، “حجاب الراهبات”، ناهيك عن “الكيباه” اليهودية، والوشم الديني والعديد من الرموز الأخرى المماثلة، تُعد جزءًا من الثقافة الأوروبية اليومية. لماذا لا نسمع أبدًا عن مثل هذا الجدل حول رجل يهودي طُرد من مبنى عام بسبب ارتداء الكيباه، أو امرأة فرنسية بيضاء طُردت من الجامعة لارتدائها صليبًا؟ لا يتعلق الأمر بالرموز الدينية بشكل عام بقدر ما يتعلق بالرموز الدينية للأعراق والشعوب غير المرغوب فيها ببساطة في أوروبا.
وأيضًا، قد يعطي قَصر المناقشة على اللاجئين والمهاجرين انطباعًا بأن النقاش يهتم في الغالب بـ”الآخرين” غير الأوروبيين الذين “يغزون” شواطئ أوروبا، مصممين على “الحلول محل” سكان أوروبا الأصليين، البيض، المسيحيين. لكن هذا ليس هو واقع الحال، لأن نسبة كبيرة من البلجيكيين والفرنسيين، على سبيل المثال، هم أنفسهم مسلمون، وتقدر نسبتهم بنحو 6 في المائة و5 في المائة على التوالي. وهؤلاء المسلمون هم مواطنون أوروبيون.
لقد أرادت حواش، وزماحي وإسماعيل في الواقع أن يكنّ جزءًا من هذه المجتمعات -وليس الانفصال عنها- من خلال تكريم أعز التقاليد السياسية في بلادهن، ولكن من دون محو تراثهن الثقافي وهوياتهن الدينية في هذه العملية. وللأسف، تم رفضهن جميعًا بشدة، كما لو أن أوروبا اتخذت قرارًا جماعيًا بضمان بقاء المسلمين في الهامش إلى الأبد. وعندما تحاول المجتمعات المسلمة الرد، باستخدام الأنظمة القضائية في أوروبا كمنقذ مفترض، فإنهم يواجَهون بالرفض مرة أخرى. وكانت آخر الأحكام الرافضة والمزدرية في حزيران (يونيو)، عندما قررت المحكمة الدستورية البلجيكية أن حظر ارتداء الحجاب لا يشكل انتهاكًا لحرية الدين أو الحق في التعليم.
لقد حان الوقت لكي تفهم الدول الأوروبية أن التركيبة السكانية لديها تتغير بشكل أساسي، وأن مثل هذا التغيير يمكن في الواقع أن يكون مفيدًا لصحة هذه الدول. فمن دون تنوع حقيقي وإدماج هادف، لا يمكن أن يكون هناك تقدم حقيقي في أي مجتمع، في أي مكان.
ولكن، في حين أن التحولات الديموغرافية يمكن أن توفر فرصة للنمو، فإنها يمكن أن تلهم أيضًا مشاعر الخوف والعنصرية -والعنف أيضًا كما قد يتوقع المرء.
ينبغي أن تعرف أوروبا، التي خاضت حربين مروعتين في القرن الماضي، أفضل.

*صحفي ومحرر مجلة “بالستاين كرونيكل”. مؤلف لخمسة كتب آخرها هو “هذي السلاسل سوف تُكسر: قصص فلسطينية عن النضال والتحدي في السجون الإسرائيلية” (Clarity Press، Atlanta). وهو زميل باحث أول غير مقيم في مركز الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)، جامعة الزعيم في إسطنبول (IZU).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Progress or War: On Islamophobia and Europe’s Demographic Shifts

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock