ترجمات

التقرير النووي عن إيران قد لا يغير اللعبة بعد كل شيء

سكوت بيترسون – (كريستيان ساينس مونيتور)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
قد لا يكون أحدث تقرير صادر عن الأمم المتحدة بخصوص برنامج إيران النووي “مغير اللعبة” الذي كان من المفترض أن يكونه، فيما يثير بعض الخبراء النوويين شكوكاً حول متانة الحجة، ويشيرون بهذا الصدد إلى الافتقار لوجود البرهان على عمل الأسلحة النووية حالياً.
وقالت وكالة الطاقة النووية الدولية في ملحق من 14 صفحة لتقريرها الفصلي عن إيران نشر يوم الثامن من الشهر الحالي، إن معلومات استخبارية جديدة، بالإضافة إلى بيانات أخرى، كانت مبعث “قلق جاد” لديها، فيما يتعلق بمزاعم عن الطبيعة السلمية لبرنامج إيران النووي. لكن ذريعة الحرب التي تبرر شن ضربات عسكرية، والتي يتوقع الصقور المعادون لإيران في الولايات المتحدة وإسرائيل أن يكسبوها من تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما تزال بعيدة عن أن تكون واضحة المعالم.
يستند التقرير إلى أكثر من 1000 صفحة من المعلومات المقتسمة مع الوكالة من جانب الاستخبارات الأميركية في العام 2005؛ أي بعد عام واحد من تسربها من إيران بواسطة جهاز كمبيوتر محمول. لكن ثمة شكوكاً سائدة وعميقة حول مصداقية الوثائق -لطالما أصرت إيران على أنها نسخ مزيفة من جانب وكالات استخبارات معادية- رغم محاولة منسقة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتحقق من صحة البيانات وتبديد مثل هذه الشكوك.
ويقول روبرت كيلي؛ المهندس النووي الأميركي ومفتش الوكالة الدولية سابقاً، والذي كان من بين الأوائل الذين راجعوا البيانات الأصلية في العام 2005، إنها “معلومات ضئيلة للغاية، وقد اعتقدت بأن ثمة المزيد منها هناك”. ويضيف: “ومن المؤكد أنها أخبار قديمة. وتبقى ضآلة المعلومات الجديدة صادمة فعلاً”.
وأضافت الوكالة الدولية للطاقة النووية إلى معلومات الحاسوب النقال بيانات من 10 دول أعضاء في الوكالة، مرفقة بمقابلات أجريت في ثلاث قارات، بالإضافة إلى استقصاءاتها الخاصة التي أجرتها في إيران وليبيا والباكستان وروسيا.
وقالت الوكالة إن النتيجة “تعزز وتميل إلى تأييد” بيانات الحاسوب النقال في العام 2005، فضلاً عن أنها تدفعها “وعلى نحو كبير إلى ما وراء ذلك”، وهي راهناً تحكم على المعلومات بأنها “كلية وذات مصداقية”، لكن الخبراء ليسوا متأكدين من ذلك.
إيران تنتقد الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتعدها بيدقاً لواشنطن
قبل نشر التقرير، تصاعدت وتيرة التنبؤات في إسرائيل وواشنطن من أن التكشفات الجديدة قد تفضي إلى توجيه ضربات عسكرية لمنع إيران من امتلاك سلاح. وفي المقابل، يقول خبراء إن كثيراً من المعلومات تعود لأعوام ماضية وغير نهائية -وربما لا تكون حقيقية برمتها.
وكان معظم العمل المتعلق بالأسلحة، والذي تفصله المعلومات قد أغلق قبل عقد تقريباً -في العام 2003، ولا تعزز الجهود الأقل رسمية، والتي “قد” تدعم الحجة بأن إيران تبذل قصارى جهودها لحيازة القنبلة النووية.
من جهته، يقول شانون كايلي رئيس مشروع الأسلحة النووية في معهد أبحاث السلام الدولي في ستوكهولم “إن إيران لا تبدو وأنها مثل كوريا الشمالية، مسكونة بهاجس تطوير الأسلحة النووية. وذلك غير موجود في حجة الوكالة الدولية للطاقة النووية”.
ويقول السيد كايلي: “نعم، إن إيران تحرز تقدماً، وقد غطت الجبهة المائية فيما يتصل بالمناطق الفنية الرئيسية التي تحتاجها لتطوير سلاح نووي”. ويضيف: “لكنه ليس ثمة دليل على أنهم يتوافرون على برنامج مكرس قيد العمل، ولا يبدو أنهم على وشك الاندفاع نحو الأسلحة النووية، وإنما يبدو أنهم هائمون على وجوههم سعياً وراء القدرات”.
من جهتهم، رفض المسؤولون الإيرانيون التقرير، معتبرينه منتجاً لأعداء إيران في الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب -نشر من خلال يوكيا أمانوا؛ الرئيس الياباني لوكالة الطاقة النووية الدولية- حتى من قبل نشره.
وفي الأثناء، تعهد الرئيس محمود أحمدي نجاد بأن لا تتراجع إيران “قيد أنملة” عن برنامجها للطاقة النووية الذي تعهدت الجمهورية الإسلامية دائماً بأن يكون سلمياً، كما وبخ الوكالة الدولية للطاقة النووية على لعبها دور الألعوبة بيد الغرب.
وتساءل السيد أحمدي نجاد، الذي كان يتحدث أمام حشد من الإيرانيين الذين كانوا يلوحون بالأعلام في بلدة “شهروكرد” الإيرانية في وسط البلاد باستنكار: “لماذا تدمر مكانة الوكالة الدولية للطاقة النووية دعماً لادعاءات أميركية عبثية؟”، وانتقل الرئيس الإيراني من ثم إلى التشديد على القول: “إن الأمة الإيرانية أمة حكيمة، فهي لن تبني قنبلتين نوويتين في مقابل 20.000 قنبلة (نووية) لديكم، إنها تبني شيئا لا تستطيعون مقابلته بالمثل: الأخلاق واللباقة والتوحيد والعدالة”.
ثلاث مناطق نووية رئيسية محددة في وثائق العام 2005
تركز وثائق الحاسوب النقال للعام 2005 على ثلاث مناطق: ما يدعى “مشروع الملح الأخضر” لتوفير مصدر يورانيوم سري؛ واختبار المتفجرات شديدة الانفجار؛ وإعادة هندسة صاروخ شهاب 3 ليناسب رأس حرب نووياً.
وكانت التقارير الإخبارية في ذلك الوقت قد أشارت إلى تحفظ معمق عندما عرضت بعض محتويات الحاسوب أول الأمر على دبلوماسيين معتمدين لدى الوكالة الدولية للطاقة النووية. وفي العديد من الدوائر، ما يزال الشك يطل برأسه. وإدراكاً لهذا التشكك، كرست نسبة من تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية للاستجابة لمصداقية المعلومات، لكن السيد كيلي؛ المفتش السابق في الوكالة الدولية للطاقة النووية، والذي عمل أيضا كمدير دائرة في الوكالة، يظل مع ذلك غير مقتنع.
ويقول السيد كيلي الذي تتضمن خبرته مهام تفتيش ميدانية في العراق وليبيا وجنوب أفريقيا في العام 1993: “إن الأول هو موضوع التزويرات، إذ ليس هناك أي شيء يقول إن تلك الوثائق حقيقية”.
ويضيف: “إحساسي عندما مررت على الوثائق قبل أعوام كان أن هناك احتمالاً بأن لا تكون الكثير من المواد الموجودة هناك أصيلة (رغم) أنها كانت نوعاً من الخردة.. وكان هناك القليل من المواد ذات النوعية الجيدة؛ مثل وثيقة الملح الأخضر التي كانت تتكون من صفحتين إلى ثلاث غير ذات صلة بأي شيء إضافي في الصفقة، فقد كانت تدور حول موضوع مختلف، مما يثير استغرابك وحسب. فهل تم وضعها هناك لكي يجدها أحدهم؟”.
ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي زرعت فيها مثل تلك البيانات. ويتذكر كيلي العامين 1993 و1994 عندما تلقت الوكالة الدولية للطاقة النووية “مواد مزورة معقدة جداً” عن العراق، والتي بطأت في حينه التحقيقات النووية هناك نحو عامين.
ويضيف كيلي “أن تلك الوثائق كانت تحمل علامات عليها، وكانت مصممة لتمثل الوثائق العراقية، لكننا عندما محصناها ظهرت أنها وثائق مزورة على نحو بيّن”. وينتقل إلى القول: “وكانت قد صممت من جانب دولتين عضوين في تلك المنطقة، ووضعت تحت تصرف الوكالة بشكل ماكر لتبطئ وتيرة الأمور”.
ويشير كيلي إلى أنه في العام 2002، تعاملت الوكالة الدولية للطاقة النووية مع وثائق مزورة “سيئة” للغاية، وضعها الإيطاليون بخصوص صلات نووية مفترضة للعراق مع النيجر، استغلتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي أي إيه)، واستخدمتها لصالح قضية إدارة بوش في الذهاب إلى الحرب مع العراق.
علم مسيس
من جهته، وصف سفير إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة النووية، علي أصغر سلطانية، التقرير الجديد بأنه “خطأ تاريخي” من جانب رئيس الوكالة الدولية السيد أمانو. وادعى سلطانية بأن إيران كانت أصلاً قد “أزالت كل غموض جملة وتفصيلاً”، مما جعل المواضيع المفصلة في الملحق “قديمة ومكررة”.
وقاد أمانو الوكالة الدولية للطاقة النووية في خط أكثر تشدداً نحو إيران منذ أن خلف سلفه المصري محمد البرادعي. وكانت برقية دبلوماسية تعود لشهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2009، ونشرها موقع ويكيليكس، قد نقلت عن أمانو إبلاغه السفير الأميركي بأنه “يقف بقوة في الملعب الأميركي في كل قرار استراتيجي رئيسي”؛ بما في ذلك بخصوص إيران.
إلى ذلك، يقول المحللون إن أمانو تعرض، منذ الصيف، إلى ضغوط مارستها عليه الولايات المتحدة لإخراج تقرير أكثر قوة عن إيران، يفصل قضية الوكالة الدولية للطاقة النووية، ويصور إيران على أنها ملتزمة بنشاط وبفعالية بحيازة أسلحة نووية.
ويقول كيل من معهد أبحاث السلام الدولي في ستوكهولم: “تظل القضية تعود وراءً إلى ما يدعى “لابتوب الموت” والدراسات المزعومة”. ويضيف: “لقد انحرفت الوكالة الدولية للطاقة النووية عن مسارها” للإظهار بأنها “حاولت تعقب الكثير من هذا؛ بما في ذلك التحقق من المعلومات وتأكيدها بشكل مستقل”.
ويمضي كيل إلى القول: “بالنسبة لي، لم يسبق أن شاهدت أبداً المعلومات عن نشاطات الأسلحة المزعومة، وخصوصا الصلات الإدارية ببرنامج السلاح النووي الذي قدم بهذا المستوى من التفصيل من قبل”. ويقول أيضاً: “ليست لدي طريقة لكي أكون قادراً على إصدار حكم على المعلومات التي استندت إليها (هذه الاتهامات)، لكن ما أوضحته كان مفيداً تماماً”.
وبالنسبة لكيل، الذي كان في السابق مع الوكالة الدولية للطاقة النووية، فإن تقرير إيران الراهن لا يعدو كونه “مزيجاً غير منظم”، يشتمل على بعض “التحليل الهاوي”. ومن بين عدة نقاط فنية، يشير كيل إلى بحث التقرير لموضوع “تفجير صواعق سلك الجسور” أو ebws. وكان تقرير الوكالة الدولية للطاقة النووية قد قال إنه يعترف بأن “ثمة تطبيقات غير نووية، رغم قلتها”، ويشير إلى أرجحية وجود صلة أسلحة لإيران.
ويقول كيل: “إن الوكالة مخطئة. فهناك الكثير من التطبيقات لصواعق تفجير الجسور”. ويخلص إلى القول: “أن تكون مخطئاً في هذه النقطة، ومن ثم تحاول تضليل الرأي العام، فإن ذلك ينطوي على تحيز للنتيجة المطلوبة… وذلك شيء غير مهني”.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:Iran nuclear report: why it may not be a game-changer after all

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock