فكر وأديان

التكافل المجتمعي

د. هاشم غرايبة

وأخيرا تراجع منظر الليبرالية “فوكوياما” عن أفكاره التي نشرها قبل عشرين عاما، من أن الليبرالية الجديدة هي أرقى ما ابتكرته البشرية، وكافية لتحقيق كل متطلباتها وستطمس كل فكرة سواها.
كان تراجعه لِما رآه من تزايد للمشكلات المجتمعية، وتعاظم للنزعات اليمينية المتطرفة، وتراجع في مستوى احترام تعددية البشر مقابل صعود للعصبيات العرقية والقومية، هذا في المنظور الإجتماعي أما في الإقتصادي فحدث ولاحرج.
طبعا أطمعه انهزام الفكر الشيوعي، فاعتقد أن ذلك بسبب صلاح الفكر الرأسمالي، لكن السبب الحقيقي عائد الى عيب بنيوي وموضوعي وتطبيقي في الشيوعية ذاتها، ليس هنا مجال بيانه، وبالطبع فالفكر الإسلامي غير مطروح عندهم للنقاش أصلا، كون الغربيين عموماً لا يعترفون بالإسلام كفكر، من باب الرفض التعصبي وليس نتاجاً لبحث وتمحيص، فهم قد يناقشوا الفكر البوذي أو الهندوسي، ويخضعوه للبحث الموضوعي، لكن عندما يتعلق الأمر بالإسلام فيسارعون لإغلاق الباب، خوفا من الخضوع لقوة الحجة.
سأتناول هنا جانبا واحدا من مشكلات المجتمعات جميعها وهي: كيف يمكن ضمان حياة كريمة للفرد في مختلف مراحل حياته؟.
ظلت الرأسمالية المتوحشة مطبقة في كل المجتمعات، والتي كانت تتبع الفلسفة (الإسبارطية) الشهيرة “البقاء للأقوى”، فتترك الأسماك الصغيرة تحت رحمة الأكبر منها، ثم أدخلوا عليها بعض مساحيق التجميل تحت مسمى الليبرالية، التي أجازت تشكيل نقابات لتحسين ظروف الطبقة العاملة، ثم طوروها الى الليبرالية الجديدة حيث أوجدت تشريعات خدمية مثل التأمين الصحي والضمان الإجتماعي عند العجز والبطالة.
السؤال هو: ما الذي يقدمه النظام الإسلامي (إن سمح بانتهاجه) أكثر من ذلك؟.
ما سيحققه الإسلام منبثق من اختلافه المنهجي مع الرأسمالية في نظرته للبشر، ففي حين تعتبر الرأسمالية الإنسان أداة انتاج (كالآلة) من ناحية، وأداة استهلاك (كباقي الكائنات الحية)، وفي كلا الحالتين هنالك ربح متحقق لرأس المال، أما الإسلام فيعتبره كائنا مكرما، وكل ما هو في الكون أدوات مسخرة لخدمة احتياجاته، وأن رأس المال هو إحدى تلك الأدوات وليس سيدها، لذلك فالقيمة العليا في الإسلام هي الكرامة واحترام الإنسان وحفظ حقوقه، في حين تسعى الرأسمالية الى تأمين احتياجاته والسهر على راحته لتحقيق ربح أكثر، تماما مثلما يعتني المزارع ببقراته جيدا لكي تدر حليبا أكثر.
أما تطبيق ذلك فعليا فهو كما يلي:
1 – العمل: تتحق مصالح الرأسماليين بدوران عجلة الإنتاج، والربح هو فارق جهد العامل، لذلك ينصب اهتمام صاحب العمل على تعظيم هذا الفارق، الإسلام أيضا يهتم بالعمل ويعتبره عبادة: ” وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” [التوبة:103]، فالعمل هنا خاضع لرقابة ثلاث جهات : الله المطلع على النوايا، والرسول الذي يمثل سلطة الدولة، والمؤمنون أي المجتمع، لذلك فالعامل يتمتع بحماية ثلاثية وعمله خاضع لرقابة مضاعفة، وليس لسلطة صاحب العمل فقط وحماية القانون فقط، لذلك فليس من حاجة لنقابات تحميه، كما أن صاحب العمل محمي أيضا من ابتزاز وضغوط النقابات بتشريعات إلهية ثابتة لا تتحيز لطرف ولا تخضع لضغوط الإضرابات وتعطيل العمل.
من هنا فالعامل أكثر شعورا بالأمان ولا يخشى الطرد التعسفي، بسبب خوف صاحب العمل من الله، وصاحب العمل مطمئن الى استقرار عمله وعدم تعطيل مصالحه بالإضراب.
2 – التقاعد: خلق الإنسان ليعمل طول حياته، لكنه يعجز عن ذلك أحيانا لحالة مرضية أو ضعف لتقدمه في السن، في النظام الرأسمالي تكون الإحالة على التقاعد بسبب نقص انتاجية العامل بما ينقص من فارق الجهد، خاصة وأن الخبرة المتراكمة توجب زيادة أجر العامل، وبالتالي يتم الإستغناء عنه بذريعة راحته، ولكي يمكنه إعالة نفسه يقتطع من أجره الشهري نسبة معينة، مقابل إعطائه راتبا طوال فترة تقاعده.
لذا فالراتب التقاعدي ليس تكرما من صاحب العمل بل هو مما تجمع من الإقتطاعات، وهي استثمار آخر لرأس المال حيث يستغل المبلغ المتجمع طوال ثلاثين عاما وينتج مردودا له أكثر مما سيدفعه، لذلك أصبحت هنالك مؤسسات ربحية متخصصة بذلك للضمان الإجتماعي، تتولى حالات التقاعد والعجز والتعطل.
في النظام الإسلامي الضمان تتولاه الدولة وللجميع، ولأنه ليس ربحيا فمردوده على المتقاعد أكثر.
3– التأمين الصحي: في النظام الرأسمالي ليس هنالك معالجات مجانية، فالخدمة على قدر الدفع، لذلك فالرعاية الصحية الجيدة هي للمقتدرين ماليا، أما الفقراء فمحرومون منها.
وجد رأس المال أيضا بابا للإستثمار في الصحة فنشأ ما يسمى التأمين الصحي، وهو مثل التقاعد، في استيفاء نسبة من الأجر الشهري تتناسب مع مستوى الخدمة مقابل الحصول على المعالجة عند الحاجة إليها.
في النظام الإسلامي تتكفل الدولة بالعلاج للجميع مقتدرين وغير قادرين وبالجودة ذاتها.
4 – العناية بكبار السن وذوي الإحتياجات الخاصة: في النظام الرأسمالي لا يعتبر ذوو هؤلاء ملزمين بالعناية بهم، وقصارى ما يقدمونه لهم هو الشفقة، لكن العناية منوطة بمؤسسات خاصة تتقاضى أجورا منهم، وفي حالة عدم التزام الأبناء لا يلزمهم القانون بذلك، لذلك قد تمتهن كرامة الكثيرين في آخر حياتهم وينالهم الذل.
في الإسلام لا وجود لدور الإيواء، والقيم الاجتماعية المعززة بالوازع الديني تحتم على أبناء العاجز أو الطاعن بالسن العناية به ليعيش مكرما حتى آخر يوم في حياته، وينال المرء احترام المجتمع بقدر إخلاصه بأداء هذا الواجب تجاه أصوله.
8 – حفظ كرامة الإنسان من المهن المهينة كالتسول والبغاء والسرقة والتهريب: تكثر هذه الحالات في المجتمعات الرأسمالية مع تزايد الفقر والتفكك المجتمعي، لذلك وضع الإسلام حلولا استباقية، فأوجد الزكاة والصدقات والنذور والكفارات، كأدوات اقتصادية لتقليل الفوارق الطبقية وانتشال من هم في فقر مدقع، فتقل الحاجة للتسول تدريجيا.
كما وضع حدا للبغاء بتحريم الزنا، وربط الأسر ببعضها من أجل تجفيف بؤر الفساد الأخلاقي المؤدي الى البغاء.
أما السرقة فجعل لها عقوبة قاسية تطبق بعد تحقيق كفاية الناس، ورادعة لكل من تسول له الأطماع الإستيلاء على ملك الغير بلا استحقاق.
أما التهريب فقد قطع الإسلام دابره، إذ أنه لا وجود للمكوس والجمارك في النظام الإسلامي، فالتجارة مفتوحة وهي خدمة للمستهلك ونفع للتاجر، ولا حق للدولة باستيفاء رسوم ترفع أسعار الحوائج.
ترى ماذا كان سيقول “فوكوياما” لو اطلع على كل ذلك.. وعرف أن الإسلام ليس مجرد أساطير مسروقة من التوراة كما يعتقد، ألن يتراجع مرة أخرى!؟.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock