فكر وأديان

التناسق الموضوعي بين السور المفتتحة بالتسبيح

د. محمد المجالي

هي سبع سور، اختلفت في صيغ افتتاحها: الإسراء (سُبْحان)، الحديد والحشر والصف (سَبَّحَ)، الجمعة والتغابن (يُسَبِّح)، الأعلى (سَبِّح)، ومعلوم أن الإسراء بداية الجزء الخامس عشر، والحديد هي آخر الجزء السابع والعشرين، والحشر والصف والجمعة والتغابن من الجزء الثامن والعشرين، والأعلى من الجزء الأخير.
والملاحَظ أن بين هذه السور تناسقا عجيبا، خاصة في موضوعاتها، فالتسبيح تنزيه وتعظيم لله تعالى، وهو من أعظم الذكر، جعله الله تعالى في الصلاة ركوعا وسجودا، وجعله على لسان كل شيء: “وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم”.
وذكر عن الرعد: “ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته”، وإذا افتتحت سورة به فلا بد هي محتوية على أمر عظيم يستدعي التسبيح لله تعالى، مثاله البسيط حادثة الإسراء العجيبة، ولعل كلمة (سبحان) وحدها رد على من زعم أن الإسراء كان بالروح فقط، فلو كان الأمر كذلك لما استدعى تعجب القوم، ولما قال الله فيه: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير”.
ولنا أن نتفكر، لماذا جعله الله تعالى في الصلاة، واجباتنا اليومية الخمس، فالصلاة –إضافة إلى القرآن المتلو فيها- تكبير وتسبيح وأدعية، فهو (التسبيح) تعظيم في ذاته لله، كما لفظ التكبير نفسه، فهو تعليم لهذا الإنسان أن يركن إلى هذا الإله العظيم الأكبر من أي شيء، المنزه عن أي شيء، القادر على أي شيء، الغني عن أي شيء، سبحانه.
تشترك هذه السور –مع تفاوت بسيط- في موضوعات محددة، أهمها: القتال والإنفاق في سبيل الله، والتعريض بأهل الكتاب، وحقيقة الحياة الدنيا حيث الانتباه إلى خطورة الانغماس في لهوها وملذاتها، وهذه إطلالة سريعة على هذه السور، فالمقام لا يحتمل التفصيل.
الإسراء، وهي أيضا تسمى (بني إسرائيل)، من اسمها، تحدثت عن الإسراء حيث الرقي والارتفاع الروحي والمعنوي والمادي في آن واحد، وتحدثت عن بني إسرائيل، وإفسادهم، وإنهاء هذا الفساد، وزاد الذين ينهون إفسادي بني إسرائيل هو القرآن، حيث جيء بآية “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم..” بعد آيات الإفساد، وكثُر في السورة ذكر القرآن، ولا بد من القوة أيضا إذ هي تحصيل حاصل، فهم العباد أولو البأس الشديد، والحديث في آخر السورة عن تكريم بني آدم، وأهمية الثبات، وختمت السورة بدعاء الله أو الرحمن، والصلاة وتنزيه الله تعالى.
سورة الحديد، من اسمها فالحديد شعار القوة، والسورة تحدثت عن مقومات القوة حيث الإيمان، والإنفاق، وركزت السورة عليهما، وردت على من يظنون القوة مجرد قوة روحانية حيث ذكرت الرهبانية، فلا بد من المادة والروح حيث الأخذ بالأسباب من جميع جوانبها، وهذا عين التوكل الحقيقي، فلا ننخدع بالجانب الروحي كما فعلت أقوام ببدعة الرهبنة، وما يفعله بعض المسلمين من عزلة روحية وترك الحياة، ظنا منهم أن هذا هو الزهد، ورحم الله الشيخ محمد الغزالي وهو يتحدث بلهجته المصرية البسيطة فيقول: “المسلمون طلقوا الدنيا وتزوجها الخواجات”، فصار المسلمون –بجهلهم- عالة على غيرهم، فالسورة تعلمنا ببساطة أن لا بد من الحق والميزان والعدل، وقوة الحياة المادية كذلك، قدوتنا في ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم، والله هو الذي أمر بإعداد القوة: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم”، ويقول صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير”، وهذا العالم لا مكان فيه للضعيف، وواقع المسلمين يدل على ذلك.
سورة الحشر، من اسمها تدل على القتال، وهي سورة بني النضير، وما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون من شدة بأس مع أعداء الله، ونلحظ الجانب الإيماني والروحي والحديث عن القرآن وأسماء الله الحسنى، وكذلك الحديث عن الفيء والمال بشكل عام، حيث ضرورة تسخيره من أجل رفعة هذا الدين.
سورة الصف: من اسمها أيضا، وموضوعها الجهاد، وتم التعريض ببني إسرائيل، سواء زمن موسى أو عيسى عليهما السلام، وفيها حديث عن التلكؤ عن الإيمان، وذكرت السورة الإيمان والإنفاق، والقتال صفا في سبيل الله، وأن لا يخالف قولُنا فعلَنا، وما دلّلنا عليه سبحانه من تجارة تنجينا من عذاب أليم: إيمان وجهاد، والنتيجة مغفرة ودخول جنات ونصر من الله وفتح قريب، وخُتمت بما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون: أنصارا لله.
سورة الجمعة، ركزت على الجانب الإيماني، وهي من اسمها تدل على ذلك، ولكن الجمعة جاءت أيضا بالحديث عن استعمار الأرض والسعي فيها، فمع الجانب الروحي لا يجوز أن نركن إليه وندع الجانب المادي، فالسعي الصحيح، وتنظيم الأمور، فكل شيء له حقه.
سورة التغابن، من اسمها، تتحدث عن يوم التغابن، حيث انخداع الناس ببعض المظاهر، وعدم اليقين بالله تعالى، وتحدثت عما يصيب الإنسان، فلا يجوز له أن يخلد إلى الدعة والراحة والدنيا عموما، وينبغي أن يكون الأزواج حاثين بعضهم على الخير، وكذا الأولاد، والخداع يكون من جهة الأموال والأولاد.
سورة الأعلى، تعريف بالله تعالى المطلوب تسبيحه، الأعلى، الخالق المقدِّر المنعِم، وحثت على العلم والدعوة وعدم الاغترار بالدنيا حيث الشقاء، وختمت بأهمية الزاد الروحي في مقابل ملذات الدنيا.
والعجيب أن هذه السور لم تأت متتابعة متتالية، إذ بين كل واحدة وأخرى سورة أو سورا، وباستثناء الإسراء والأعلى، إذ المسافة بينهما وبين الخمس الأخرى واضحة، نلحظ أن سورة (المجادلة) جاءت بين الحديد والحشر، وهي تتحدث أيضا عن مبدأ الجدل، وبعض ملهيات الحياة، وكيف تحول هذه كلها بين الإنسان والجادة، وفيها حديث عن الذين يحادون اللهَ ورسوله، وعن حزب الله، وصِدق الولاء لله.
وجاءت سورة (الممتحنة) بين الحشر والصف: وركزت على صدق الولاء لله تعالى وضرورة المفاصلة في العقيدة. وأخيرا جاءت سورة (المنافقون) بين الجمعة والتغابن، حتى تؤشر السور مجتمعة على مصير من يتلاعب ويخالف قولُه فعلَه، فمصيره إلى النفاق، قبل الندم الأخروي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock