ترجمات

التنافس والتعايش

كارل بيلت*

حاولت الولايات المتحدة الأميركية والصين خلال الأسابيع القليلة الماضية وضع بعض الحواجز لمنع التوترات المتصاعدة من الخروج عن السيطرة فلاحقا لاجتماع في سويسرا مع نظيره الصيني يانغ جيتشي، تكلم مستشار الأمن القومي في الولايات المتحدة الاميركية جيك سوليفان عن الحاجة الى “ تنافس مسؤول “ بين البلدين وهو اختيار للكلمات لم نعهده من قبل.
القرار الأميركي بتزويد استراليا بالغواصات النووية تم تأطيره بشكل متعمد كخطوة استراتيجية رئيسة من اجل التصدي للتوسع البحري الصيني وبالمثل خلال الاجتماع الذي استمر لمدة يومين في بيتسبرغ الشهر الماضي وضع مسؤولو الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اجندة المحادثات الجديدة المتعلقة بالتجارة والتقنية مع تركيز خاص على الحاجة لإجراءات دفاعية ضد الصين وفي واشنطن العاصمة تنتشر التكهنات المتعلقة بغزو صيني محتمل لتايوان وهذا يؤدي لاتخاذ قرارات عديدة.
الحاجة للتعاون من اجل التصدي لتحديات أكبر يجب ان تكون واضحة فعندما يجتمع قادة العالم في روما في وقت لاحق من هذا الشهر لحضور قمة مجموعة العشرين، سوف يتوجب عليهم مواجهة حقيقة اننا ما نزال في منتصف الطريق (في أفضل الأحوال) في معركتنا ضد جائحة كوفيد 19.
لقد التزم ممثلون عن أكثر من 100 حكومة ومؤسسة عالمية وشركة والمجتمع المدني خلال القمة الأخيرة التي استضافها الرئيس الأمريكي جو بايدن بتطعيم “70 % من السكان في كل بلد” بحلول سبتمبر القادم ولكن هذا الهدف ما يزال بعيد المنال بشكل كبير، وحاليا تم تطعيم حوالي 37 % من السكان على مستوى العالم بشكل كامل علما ان هناك تفرقة صارخة وخطيرة بين الدول عالية ومحدودة الدخل.
إن الحقيقة البديهية القائلة بأنه لن يكون أحد بأمان ما لم يصبح الجميع بأمان هي حقيقة ثابتة. لا يوجد ضمان ان متغير دلتا سوف يكون المتحور الأخير الذي سيؤدي الى موجات وبائية جديدة، فنحن الآن في معركة بين البشرية والفيروس ونحن بحاجة وبشكل عاجل لحشد الموارد الإضافية لتوزيع ليس فقط اللقاحات ولكن أيضا الاختبارات والعلاجات.
بالمثل، عندما يجتمع قادة العالم لحضور قمة الأمم المتحدة للتغير المناخي (مؤتمر الأطراف 26) في غلاسكو الشهر المقبل، يتوجب عليهم التعويض عن الوقت الضائع. ان التقرير الأخير الصادر عن وكالة الطاقة الدولية يثير القلق فيما يتعلق بالعمل الكبير الذي يتوجب تحقيقه من أجل إزالة الكربون من الاقتصاد وفي هذا العام سوف نشهد ثاني أكبر زيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في التاريخ وهذا يوحي بعدم احراز تقدم من اجل تحقيق الهدف المنشود المتمثل في صافي صفر انبعاثات بحلول سنة 2050 والاسوأ من ذلك إن التعهدات الحالية للحكومات تغطي أقل من 20 % من التخفيضات المطلوبة بحلول سنة 2030 من أجل الإبقاء على الاحتباس الحراري ضمن 1،5 درجة مئوية من متوسط درجة حرارة ما قبل الصناعة.
يتوجب على الجميع عمل المزيد ولكن هناك قلة من اللاعبين المنفردين لديهم نفس الأهمية التي تتمتع بها الصين علما ان عدم تخفيض الصين من اعتمادها الضخم على الفحم يعني ان الأهداف العالمية سوف تبقى بعيدة المنال. ان اعلان الصين مؤخرا بإنها سوف تنهي تمويلها لمشاريع الفحم خارج الصين يتمتع بأهمية كبيرة محتملة فهذا الإعلان فقط يمكنه تخفيض الانبعاثات بنفس القدر الناتج عن تحقيق الاتحاد الأوروبي لصافي صفر انبعاثات بحلول سنة 2050 ولكن مع ذلك ما يزال يتوجب على الصين والجميع عمل المزيد.
وكما هو الحال بالنسبة للجائحة فإن التغير المناخي يضع البشرية في صف واحد ضد تهديد قد يخرج وبكل سهولة عن السيطرة وفي واقع الأمر فإن التوترات الجيوسياسية اليوم هي توترات حقيقية وقضايا مثل تايوان وأوكرانيا يجب عدم اهمالها. ان الدول الديمقراطية لديها الحق بأن تقف صفاً واحداً في مواجهة العدوانية التي تهدف لتعديل الوضع القائم ولكن الجائحة والتغير المناخي هي مشاكل يمكن التعامل معها بفعالية فقط لو التزم الجميع بالعمل معا. سوف يتطلب تحقيق هذه النتيجة حنكة سياسية عالمية حقيقية، ويجب أن يكون التقدم نحوها هو المعيار الذي يتم على أساسه الحكم على الدبلوماسية.

*رئيس وزراء ووزير خارجية سابق في السويد.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكت.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock