أفكار ومواقف

“التنمر” المدرسي.. والبلطجة بأشكالها

في معظم مدارسنا، يوجد عدد من الطلبة المتنمرين، ممن أخذوا على عاتقهم مناكفة الغير وترويعهم وابتزازهم بشتى الطرق والأساليب. ويعمل المتنمرون أفرادا، كما جماعات في شلل قد يصل عددها إلى خمسة أو يزيد. وهم يأتون من خلفيات اجتماعية واقتصادية متباينة، في حين يشترك الكثير منهم في نوعية العلاقة القائمة مع الأسرة؛ فبعضهم لا يشعر بوجود رباط عاطفي مع الأسرة أو أي من أركانها، أو يعانون الإساءة والإهمال في البيئات التي ينشؤون فيها. ويجدون فرصة في بيئة المدرسة التي توفر لهم التفاعل، ليمارسوا بعض أشكال الهيمنة على زملائهم، في تقليد لممارسات الأولياء والأوصياء، أو لجهلهم بمهارات إقامة علاقات إيجابية تقوم على الحب والتقبل والاحترام.
يصرف المتنمرون طاقاتهم في التدرب على أساليب مضايقة الآخرين، ويستخدمون وسائل متعددة للهيمنة على فضاء المدارس. وغالبا ما يشكلون شللا تتعاون على تطويع الطلبة لسلطتهم ونفوذهم. وذلك من خلال رصد ضحاياهم واختيارهم بعناية قبل افتعال الحوادث التي تؤدي للاشتباك، من أجل بسط الهيمنة وإخضاع إرادة الجميع لإرادتهم.
المدراء والمدرسون يشكون من الظاهرة واستفحالها، وعجز النظام المدرسي عن التغلب عليها. والآباء والأمهات لا يعرفون الكثير عن سلوك الأبناء ومدى انخراطهم في الأفعال التي تتسبب بها الشلل المدرسية، وفيما إذا كان الأبناء ضحايا أم جناة.
لسنوات خلت، كان التنمر منتشرا في بعض مدارس الأحياء الفقيرة، وبين الأطفال الذين يعيشون ظروفا صعبة، ويعانون غياب السلطة الأبوية، لأسباب منها التفكك الأسري أو انشغال الوالدين الدائم. لكن اليوم، أصبح التنمر شائعا في غالبية مدارسنا الحكومية والأهلية، بين الذكور والإناث، وفي كل المراحل.
منذ أيام، تواصلت مع إحدى الهيئات التدريسية لإحدى المدارس العتيقة في بلادنا، وتحدثنا عن الظاهرة وأسبابها، والطرق التي يلجأ إليها القائمون على المدرسة لمواجهتها. وما لفت انتباهي أن لا علاج واضحا لهذه المشكلة. وربما ينظر البعض لها كقدر يصعب تجنبه، لكن يمكن التخفيف من آثاره.
وطبعا، مع انشغالات وزارة التربية والتعليم بإجراءات امتحانات الثانوية العامة التي أصبحت شغلها الشاغل، يصعب طرح أي قضية أخرى على بساط البحث التربوي؛ فهي لا تبدو مهمة لتجد طريقها إلى أجندة التطوير والتحديث التي سيطرت عليها موضوعات ذات صلة بالمناهج والتطرف والغش والتنقلات وأحقية المتقاعد في أن يكون نقابيا، وغيرها.
التنمر قد يدفع ببعض الطلبة لكراهية المدرسة، وتكرار الغياب، وتدهور الإنجاز ومن ثم التسرب. والبعض قد ينتحر، أو يرتكب جرائم، سواء دفاعا عن نفسه أو في سبيل إثبات فتوته. والبيئة المدرسية غير القادرة على محاصرة الظاهرة بيئة خطرة وغير ملائمة لوجود وبقاء ونماء الأطفال.
بعض الذين تنمروا إبان وجودهم في المدارس، والعديد من الذين تركوها وتسربوا بسبب سلوكهم، حرموا من فرص الإعداد الجيد للحياة؛ فانتقلوا من التنمر المدرسي إلى البلطجة المجتمعية. وبعضهم استفاد من التحولات التي مرت بها مجتمعاتهم، فقدم نفسه أدوات يمكن استخدامها في تطويع مكونات المجتمع الأخرى، مما أكسبه أدوارا ومكانات جديدة، ساعدته على ممارسة مهارات التنمر والبلطجة التي اكتسبها في النظام المدرسي.
في بعض مؤسساتنا الرسمية، وبلداتنا وقرانا ومدننا، رجال ونساء يغلب على علاقتهم بنا الاستقواء في كل ما يقومون به؛ فهم يظنون أن البلاد لهم، والوظائف لهم، والموارد لهم. ويعملون على ليّ أذرع الآخرين بتنمر اكتسبوه منذ الصغر واستمر، لأن النظام المدرسي أهمل التعامل مع نزعتهم، ووقف عاجزا عن الردع، وأصبحت عاداتهم وممارساتهم شرا لا بد منه؛ يتعامل معها الجميع تارة بابتسامة، وتارة بدمعة خفية على مستقبل أمة يصول فيها المتنمرون ويجولون.
مع رفع شعارات هيبة الدولة وسيادة القانون وسواها، يحدونا بعض الأمل في أن نجتث التنمر من جذوره المدرسية إلى فروعه في الإدارة والمجتمع، حتى نعيش في بيئة خالية من الخوف والتهديد والتحرش والابتزاز والرشوة والبلطجة. من دون ذلك، سنبقى نتأرجح بين فكرة المجتمع المنظم وواقع شريعة الغاب.

تعليق واحد

  1. التنمر والبلطجة في المدارس
    تحية للدكتور صبري الربيحات فهو تربوي مخضرم علما وعملا.
    هذا الموضوع هام جدا جدا وخاصة في المدارس الحكومية لاننا عانينا منه عندما كان يتعرض ابناؤنا للتنمر والبلطجة من طلاب فاسدين بكل المقاييس.
    كان ابناؤنا يشتكون من ان طلابا يسطون على سندويشاتهم .فقلنا قد يكونون فقراء وجائعين فأخذنا نبعث معهم سندويشات اكثر لإعطائها لهؤلاء.
    ولكن المشكلة لم تتوقف عند حد السندويشة بل أخذ هؤلاء البلطجية والنتمرون يتهددوناولادنا بإعطائهم مصروفهم أو ضرورة احضار فلوس لشراء السجاير. وحجث ان تعرض ابنائي لاعتداء مجموعة من هؤلاء خارج المدرسة وبعيدا عن العين. ذهبت لمدير المدرسة وكان ضعيفا يخاف من هؤلاء البلطجية والمتنمرين.
    وقلت له بالحرف الواحد سأحمل ابني مسدس واريته المسدس حتى يدافع عن نفسه إذا لم توقف هؤلاء عند حدهم بأي وسيلة وسأحملك المسؤولية وسأذهب الى وزير التربية واعرض عليه ما يجري في مدرستك.
    بعدها شرب حليب السباع وطرد بعضهم بعد ان لم يمتثلوا للردع الكلامي والنصيحة ولم يردعهم اهلهم.
    كثير من الاهالي نقلوا اولادهم من تلك المدرسة الى مدارس خاصة وكنت انا أحدهم بعد ان استمرت هذه الظاهرة ولم تتم السيطرة عليها.
    مع تحياتي

انتخابات 2020
22 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock