أفكار ومواقف

التنمية الاجتماعية والتحولات البنيوية

هل تتناسب الإمكانيات الفنية والمالية المتاحة اليوم لوزارة التنمية الاجتماعية مع التحديات والتحولات الكبرى التي تجري في المجتمع والدولة والتي يفترض أن تتعامل معها الوزارة؟


عندما بدأ العمل الاجتماعي الرسمي عام 1949 كان يهدف أساسا إلى مواجهة الهجرة من الريف إلى المدن، وبقيت وزارة التنمية الاجتماعية تبدو أقل ضرورة وأهمية في مجتمع يغلب عليه الفتوة، ومنشغل بتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والبنى والمرافق الأساسية.


لكن البلد يعيش اليوم تحولات وبيئة مختلفة كثيرا تجعل وزارة التنمية الاجتماعية في غاية الأهمية، ولا يقل دورها إن لم يزد عن وزارتي التربية والتعليم والصحة، فبعد أن استقرت المؤسسات التعليمية، وتغير مستوى المعيشة ومعدلات العمر، وتحولت أنماط الحياة وطبيعتها نحو التمدن والأسر النووية، وتغيرت الأنظمة الاقتصادية نحو الخصخصة التي أنشأت تحديات أمام توفير الخدمات الأساسية لجميع المواطنين، وتزايدت البطالة بعدما كانت تقترب من الصفر، ونشأت جيوب واسعة للفقر، وتطورت وتعقدت تطلعات المواطنين والمجتمعات نحو خدمات لم تكن واردة من قبل، ونشأت مشكلات اجتماعية ونفسية جديدة ومعقدة تفرضها طبيعة الحياة وتطورها فقد أصبحت وزارة التنمية الاجتماعية أمام تحديات كبرى يحتاج التعامل معها بكفاءة واقتدار إلى مضاعفة فريق العمل المؤهل في الوزارة ومؤسساتها ومرافقها، وربما التشريعات المنظمة لعملها.


بالطبع فقد حدثت استجابات كبرى ومهمة في العمل الاجتماعي الرسمي وبخاصة على صعيد صندوق المعونة الوطنية الذي تحول في سنوات قليلة من مؤسسة صغيرة محدودة الميزانية إلى شبكة مالية واجتماعية ومعلوماتية تتجاوز ميزانيتها السنوية 60 مليون دينار، وتتعامل مع مئات الآلاف من الحالات، وتبنى قواعد معلومات مهمة عن الاحتياجات والظروف التفصيلية في المجتمع.


لكن البيئة الجديدة التي بدأت الوزارة تعمل فيها تكاد تكون مختلفة جذريا عنها في السنوات القليلة الماضية، فالوزارة اليوم تعمل باتجاه أهداف مختلفة عن تقديم العون والمساعدة فقط، فيفترض أن تنسق وتراقب أعمال أكثر من ألف جمعية خيرية منتشرة في المملكة، بالإضافة إلى الجمعيات والمؤسسات الدولية، وهذا يقتضي بداهة وجود دائرة مالية وقانونية وإدارية واسعة الإمكانيات ومزودة بفريق مؤهل يغطي هذا النشاط ويدفعه نحو أهدافه وتكامله مع أهداف الدولة والمجتمع ويحميه من الفساد والاستدراج.


ونشأت حاجة ملحة إلى خدمات اجتماعية كانت محدودة، مثل رعاية كبار السن الذين تزداد نسبتهم وتتعقد ظروفهم واحتياجاتهم، وتوفير وتطوير مؤسسات رعاية وتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة، وهما نوعان من العمل يحتاجان لتغطية الحالات المنتشرة إلى فريق عمل ومؤسسات وميزانيات تفوق المتاح بأضعاف كثيرة، ولم يعد العمل في هذين المجالين ترفا، ففي التحول المديني والحضري يتحتم وجود مؤسسات متخصصة في هذا المجال.


والمجتمع بعامة بحاجة إلى عمل اجتماعي إرشادي وتنسيقي لمساعدة الأسر والمجتمعات على دمج ورعاية الأطفال والكبار وذوي الاحتياجات ومساعدتهم على الاندماج في المجتمعات والمؤسسات، وتوفير التدريب والمعلومات والتنسيق حتى لا تتضاعف المشكلات، أو تحدث مشكلات جديدة ومعقدة.


وقد أنشأت مؤسسات العمل الاجتماعي الرسمي والتطوعي بعملها ومواجهتها للمشكلات القائمة مشكلات جديدة، فالعشوائية والتكرار في العمل وغياب الرؤية الشمولية وضعف التنسيق بين المؤسسات يفرض إنشاء شبكة للعمل الاجتماعي، وربما نحتاج للعودة إلى صيغة الجمع بين وزارتي العمل والتنمية الاجتماعية لمواجهة قضايا ومشكلات البطالة والتقاعد والتأمين الصحي على نحو أكثر شمولا وتعقيدا، فعلى سبيل المثال أنشأت أنظمة صندوق المعونة حالات جانبية من البطالة ومنعت تطوير مؤسسات وأعمال صغيرة، وهي حالات يمكن تلافيها لو كان ثمة شبكة شاملة من العمل والتأمين.


ويفترض أن الجامعات توفر أعدادا كافية من الجامعيين المؤهلين مثل تخصصات الاجتماع والعمل الاجتماعي والإرشاد العاملة في الجامعات، ويعاني خريجوها من البطالة أو من العمل في غير مجالهم، وهذا يقدم موردا قويا ومهما يمكن أخذه بالاعتبار إذا جرى تطوير العمل الاجتماعي.


ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock