ترجمات

التنمية الاقتصادية بلا إطار سياسي هي سيارة بلا محرك

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

سي. روس أنتوني؛ وتشارلز ريس*– (ريل كلير وورلد) 8/7/2019
كان اجتماع مطلع الصيف الذي عُقد في البحرين بمثابة جلسة مبيعات من نوع ما للنصف الاقتصادي من اقتراح إدارة ترامب لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. ولم يحضر أي من المسؤولين الفلسطينيين أو الإسرائيليين “ورشة السلام من أجل الازدهار” التي عُقدت في المنامة يومي 25 و26 حزيران (يونيو). لم يكن الإسرائيليون مدعوِّين، وقاطعها الفلسطينيون.
في بداية الورشة، قال جاريد كوشنر، كبير مستشاري البيت الأبيض وصهر الرئيس للحاضرين: “لا يتعلق هذا اليوم بالقضايا السياسية”. وقال إن تلك القضايا ستتم معالجتها في “الوقت المناسب”.
وكان البيت الأبيض قد أعلن عن خطة التنمية الاقتصادية قبل أيام قليلة من التئام الورشة. وتضمنت الخطة عددا من أفكار بناء الأمة، ولم تأتِ على ذكر السياق السياسي أو تتناول القضايا الصعبة الخاصة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. ويبدو هذا النهج شبيهاً بمحاولة بيع سيارة من دون محرك.
إن خطة اقتصادية لا تعالج القضايا السياسية الأساسية سوف تكون خالية من كيان حاكم يتيح تطبيقها. وقد أوضح الفلسطينيون أن تحسين الناتج المحلي الإجمالي ليس بديلاً عن تمكنهم من إدارة شؤونهم الخاصة. ولا يمكن أن يتوقع أحد من الإسرائيليين دعم أي مشاريع للبناء من دون رؤية اتفاق سلام كامل.
منذ أكثر من عقد من الزمن، درست مؤسسة “راند”RAND الشروط التي ستكون مطلوبة لإنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة في حال تم التوصل إلى حل على أساس الدولتين. وطرحت سلسلة التقارير التي أصدرناها أفكاراً حول العديد من القطاعات –الأمن، والتعليم، والرعاية الصحية، والمياه والترانزيت- باستخدام أفضل ممارسات التخطيط والبيئة. وكان محور هذه الأفكار عبارة عن ممر للبنية التحتية على شكل قوس، والذي يربط مدن الضفة الغربية ببعضها البعض وبغزة. ويتصور القوس إنشاء ممر للبنية التحتية يتضمن السكك الحديدية الخفيفة والطرق، وأماكن للمرافق العامة والاتصالات السلكية واللاسلكية ومساحات الترفيه العامة.
على الرغم من أن مؤسسة “راند” لم تتشاور مطلقاً مع فريق كوشنر، فإن خطتها كانت تتصور فكرة مماثلة عن ممر البنية التحتية. وما يمكننا قوله بناءً على تحليلاتنا للفرص والتحديات في المنطقة، هو أن أي تنمية اقتصادية ناجحة للفلسطينيين ستكون معتمدة بالكامل على حل مستقر ومتفق عليه للنزاع مع إسرائيل على الأرض والموارد والسيادة. كما سيتطلب دعماً قوياً من المجتمع الدولي، ويبدو هذا كله مفقودا في هذه المرحلة.
كما لم يكن وعد النمو الاقتصادي وحده كافياً في أي وقت أيضاً للتوصل إلى سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين. وفي دراسة أخرى، حسبت “راند” الآثار الاقتصادية المحتملة لخمسة سيناريوهات مختلفة مدتها 10 سنوات للنزاع. وخلال عقدنا الافتراضي الذي ينتهي في العام 2024، كان من شأن حل الدولتين أن ينتج 170 مليار دولار تراكمية في نمو متزايد للإسرائيليين والفلسطينيين.
وفقاً لقياسنا، في العام 2024 فقط، سيكون إجمالي الناتج المحلي الإسرائيلي والفلسطيني قد زاد بمقدار 22.8 مليار دولار (5.2 %) و9.7 مليار دولار (48.8 %) على التوالي في ظل سلام الدولتين. وستكسب إسرائيل أكثر من حيث القيمة المطلقة من حل الصراع. وسوف يكسب الفلسطينيون، بسبب الحجم الأصغر بكثير لاقتصادهم، بشكل عظيم من حيث النسبة المئوية. وبالمقابل، يرى تحليلنا أن الاضطرابات العنيفة ستؤدي إلى تقلص الناتج المحلي الإجمالي الجمعي بأكثر من 55 مليار دولار. وسوف ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10 % للإسرائيليين وأكثر من
45 % للفلسطينيين.
إذا كان النمو الاقتصادي هو الشاغل الرئيسي، فقد كان لدى الجانبين الكثير لتحفيزهم للسير نحو اتفاق سلام قبل فترة طويلة من الاستثمار الذي تقترحه خطة كوشنر.
لقد أدى التوسع المتسارع للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة إلى اعتقاد الكثيرين بأن حل الدولتين قد لا يكون ممكناً بعد الآن. وإذا قامت إسرائيل بضم هذه المستوطنات والمناطق المحيطة بها -كما اقترح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال حملته لإعادة انتخابه في نيسان (أبريل)- فسوف يعني ذلك تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى أكثر من 150 قطعة غير متجاورة، مما يجعل وجود دولة قابلة للحياة شبه مستحيل. وقد رفض كوشنر في حزيران (يونيو) أيضاً أن يقول ما إذا كانت إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين ستشكل جزءاً من النصف السياسي من خطته.
على الرغم من الأبحاث التي أجرتها مؤسسة “راند” والتي تبين الفوائد الاقتصادية لحل الدولتين، فإن هذا ليس هو الاتجاه الذي تسير فيه الأمور الآن بوضوح. ومع وضع هذا الواقع في الاعتبار، تبحث “راند” الآن في الآثار المترتبة على حلول الدولة الواحدة، والفيدراليات، وبدائل الضم، واستمرار الوضع الراهن. كما أننا نقوم أيضاً بتشكيل مجموعات تركيز لفهم وجهات نظر المواطنين الإسرائيليين والفلسطينيين بشكل أفضل، ولاكتشاف ما إذا كانت هناك مناطق قد يجد الطرفان فيها اتفاقاً.
إن الروايات التاريخية المتباينة، وعدم تماثل القوة، والمخاوف الأمنية، والاضطرابات في المنطقة الأكبر، والفقر، والاختلافات الدينية، هي كلها أمور تجعل مشكلة إسرائيل-فلسطين واحدة من أكثر الصراعات صعوبة في العالم. وقد تحدت الحل واستعصت عليه لأكثر من 50 عاماً، على الرغم من الجهود التي بذلها العديد من الدبلوماسيين العارفين وذوي الخبرة.
ومع ذلك، إذا كانت تلك العقود من المساعي قد علمتنا أي شيء، فهو أن نهجاً يتعامل مع التطلعات إلى تقرير المصير ويلبي الاحتياجات الاقتصادية لجميع الأطراف –وواحداً تقوده قيادة قوية وشجاعة- هو الذي يمكنه فقط أن ينطوي على أمل في تحقيق النجاح.
*روس أنتوني: كبير الاقتصاديين في مؤسسة “راند” غير الحزبية وغير الربحية، وهو يقود مشاريع بحثية حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
*تشارلز ريس: نائب الرئيس للشؤون الدولية في مؤسسة “راند”، عمل سابقاً سفيراً للولايات المتحدة في اليونان (2004-2007) ونائب مساعد وزير الخارجية للشئون الأوروبية (2000-2004). كان وزيراً للشؤون الاقتصادية ومنسق التحول الاقتصادي في العراق.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Development With no Political Framework is a Car Without an Engine

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock