في الأردن اثنتا عشرة محافظة، لكل منها خصوصية تنموية تكاد تجعل منها اقتصادا محليا متكاملا؛ فمنها ما هو منجم للمواد الخام، مثل محافظات الجنوب الأربع، ومنها ما يكتنز معطيات سياحية وزراعية قلَّ نظيرها في العالم، مثل محافظات الشمال وبعض محافظات الوسط، وهنا يتبادر إلى الذهن أدنى نقطة على الكرة الأرضية في البحر الميت، وخصوبة أراضي البلقاء، ومكتنزها الحضاري والثقافي، وهناك آثار جرش، ومناطق عجلون الخلابة، وسهول حوران الخصبة الغنية، وإطلالة أم قيس، ولا ننسى أبداً فسيفساء مادبا، وجبل بنيبو.
ومن المحافظات من هي حاضنة حقيقية للصناعة، ومنها ما يقع على مفترق استراتيجي للتجارة والخدمات اللوجستية، وهنا تأتي محافظات الرزقاء، والمفرق، وإربد. وتبقى عمان، المحافظة العاصمة، بتضاريسها وآثارها في القلعة ومدرجها الروماني وقدراتها اللوجستية.
الأردن يكتنز اثنتي عشرة محافظة مميزة بمواردها الطبيعية، ومُتوّجة بمواردها البشرية الشابة المدربة والمؤهلة أو القابلة للتأهيل واكتساب المهارات بسهولة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنَّ مؤشر المعرفة العالمي وضع الموارد البشرية الشابة في الأردن في المرتبة الثامنة عالميا، وصنف كفاءة الطلاب في مستوى التعليم العالي في الدرجة 26 على المستوى العالمي بين 134 دولة.
الشاهد مما سبق، أنَّ الأردن يكتنز اثنتي عشرة محافظة بمقدرات اقتصادية متميزة، تحتاج إلى إدارة سليمة وتخطيط سليم وتنفيذ جدي للخطط. وهنا يمكن الإشارة إلى الخريطة الاستثمارية التي بادرت هيئة الاستثمار ووزارة الاستثمار إلى العمل عليها بالتعاون مع المجتمع المحلي في المحافظات، وخرجت بمشاريع ذات أولوية في كل محافظة. وهنا تأتي أهمية التخطيط التنموي اللامركزي، فالهم الاقتصادي التنموي هو أساس الخروج بمفهوم اللامركزية الإدارية في العالم أجمع، بل إنَّ أفضل التطبيقات العالمية تشير إلى أنَّ نجاح التنمية المستدامة مرهونٌ بنجاح تجربة اللامركزية الإدارية التي أساسها توفير اقتصاد تنموي متكامل في مناطق الحكم المحلي، أساسه موارده البشرية والطبيعية، وعماده التركيز على الميزة التنافسية لكل دائرة محلية، أي لكل محافظة، مع ضرورة التكامل مع المحافظات المجاورة من جهة، ومع الخطة الاقتصادية التنموية الكلية للدولة، من جهة ثانية.
في ظل ما تقدم جميعه، فإنَّ تفعيل خريطة الطريق الاستثمارية التي تمَّ إعدادها لكل محافظة مسبقا بات أمرا لا مندوحة منه، فهو المخرج لخلق الوظائف ووقف الزحف إلى عمّان، وهو المخرج في تفعيل دور السلطات المحلية في البلديات والمحافظات، وهو سبيل تحقيق تنمية لا مركزية حقيقية تجعل من كلِّ محافظة رافدا للاقتصاد الوطني، بدلا من تحويلها إلى عبء على التنمية ومولد لجيوب الفقر ومتلقية للمعونات. النموذج التنموي المثالي يمكن أن ينطلق من الجنوب، فمحافظات الجنوب، بمقدراتها من الثروة الطبيعية الغنية، يجب أن تتحوَّل إلى اقتصاد متكامل يدر على البلاد دخل قومي كبير، ويصنع الوظائف لأبناء المحافظات الأربع، بل ويخلق وظائف عديدة لمناطق المملكة المختلفة.
تحويل الجنوب إلى منطقة تنموية متكاملة، ضمن خريطة استثمارية تنموية لامركزية تقسم المملكة إلى ثلاث مناطق تنموية، وتفعيل دور المجالس المحلية في هذا الصدد، سيجعلنا ننتقل حقيقية من فكرة التنمية الريعية إلى فكرة التنمية المُنتجة المولدة للدخل والمُسانِدة للاقتصاد الوطني.
التحديات القائمة اليوم في محافظات الجنوب تجعل منها أكبر فرصة لإحداث الفرق، وقد قامت الحكومة بأهم مقوم من مقومات تحقيق تلك الفرصة، وذلك عبر الخارطة الاستثمارية التنموية للمحافظات، ويبقى أن نتحوّل نحو التنفيذ الجاد وتوفير التمويل والإنجاز، ولا أعتقد أنَّ ذلك يشكل معضلة أبدا، في ظل التوجهات الحكومية الجادة القائمة اليوم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock