أفكار ومواقف

التنمية والتخلف في مؤشر الرضا والقلق

صار الشعور بالرضا والثقة مؤشرا شائعا ومتداولا لقياس التقدم والتنمية، ويقابله بطبيعة الحال الشعور بالقلق وعدم الثقة بالمؤسسات والأوضاع والمستقبل مؤشرا إلى ضعف أو فشل التنمية، وتشغل اليوم قضايا الرضا والثقة والسعادة اهتماما واسعا في استطلاعات الرأي وفي التقارير والدراسات التنموية، وبالطبع فإنها مؤشرات ثقافية لا تعكس بالضرورة المستوى الحقيقي لمؤشرات التنمية الأساسية، وهي الأمن والكرامة والناتج الإجمالي ومستوى الدخل، والتعليم والصحة والغذاء، وتنشأ أيضا حيل ثقافية دفاعية في أوساط الفقراء والمهمشين؛ بحيث ترتفع مؤشرات الرضا والسعادة برغم البؤس والفقر والتهميش، وتنخفض أيضا وبطبيعة الحال بسبب الزهد وضعف التجارب والمعارف القدرة على الإدراك والتمييز للأولويات والمهارات والاحتياجات التي يجب أن يحققها الإنسان لنفسه وأسرته ومجتمعه وبلده والعالم، وبالتأكيد أيضا فإن ارتفاع مستوى الدخل والتعليم والمعرفة والمدارك يزيد الشعور بالقلق وعدم اليقين.
لكنهما (الرضا السلبي والقلق الإيجابي) حالتان تؤشران بمنطق واضح إلى عكس دلالتهما الظاهرة، فمن المؤكد أن الرضا والثقة الناشئين عن التهميش أو نقص المعرفة والتجربة يؤديان إلى تغييب محركات التنمية والخدمات الأساسية والعامة، والقبول بالخطأ والظلم وعدم المساواة، وضعف الدوافع والحوافز والاتجاهات الإيجابية نحو التنمية والعمل والتطوير والإبداع والمشاركة والنقد والانتماء والمعارضة الضرورية، كما يؤديان إلى إفشال الخدمات والمشروعات التنموية نفسها برغم الإنفاق والعمل عليها، فالدولة يمكن أن تبني المدارس والمراكز الصحية والطرق والمرافق العامة، لكن ضعف الفاعلية الاجتماعية والحضارية يجعل هذه المؤسسات لا تحقق أهدافها وغاياتها برغم وجودها وعملها، وبرغم النية الحسنة والإرادة في التنمية، بل انها يمكن أن تتعرض للإهمال والاعتداءات؛ فيتضاعف الهدر والفشل.
ومن القصص الواقعية الطريفة التي حدثت وتحدث بالفعل أن يعتدي مواطنو بلدة أو منطقة على المرافق العامة؛ كالكهرباء والاتصالات والمباني والطرق والمرافق احتجاجا على نتائج الانتخابات، أو بسبب خلاف عائلي أو عشائري!
وفي المقابل فإن ما تؤدي إليه الوفرة والتجربة؛ من قلق وعدم يقين من اتجاهات نحو زيادة وتطوير المهارات والمعرفة والفرص والقدرة على الحوار والاستماع والقبول بالتنوع والاختلاف والتعددية؛ ينشئ متوالية إيجابية من التقدم والمشاركة والإبداع والتماسك الاجتماعي والمناعة الذاتية والاجتماعية تجاه الكوارث والإشاعات والخوف والهلع والأزمات، والقدرة على السلوك الايجابي، والذكاء الفردي والجماعي والاجتماعي المؤشر إليه بالتعاون والعمل الجماعي (روح الفريق) والتنافس الإيجابي، والخصوصية والفردانية التي تمنح الإنسان الثراء الروحي والاجتماعي والأهمية المستمدة من الذات وليس من خارجها.
يجب التأكيد على أن مؤشرات الثقة والرضا أساسية ومهمة في التخطيط والتفكير على المستوى الفردي والمجتمعي والحكومي، ويجب الاهتمام بها وتحليلها، .. وتطويرها أيضا لتتحول إلى مؤشرات قياسية واضحة وصلبة تقترب من المؤشرات المادية كالدخل والمرض والغذاء والسكن والطرق والاتصالات،..
المسألة معقدة وليست مباشرة، فالإقرار بأن الثقافة مكون ومحرك أساسي للتنمية والإبداع والرضا والتماسك الاجتماعي والمناعة والسلوك الاجتماعي الإيجابي وأسلوب الحياة الأفضل، لكن الثقافة لا تتشكل في عمليات وعظ وإرشاد وتوجيه، والثقافة بما هي حلّ ليست دليلا إرشاديا مباشرا أو واضحا يمكن تعليمه أو تقديمه في مقالة أو كتاب مثل كيف تتعلم الانجليزية في خمسة أيام، أو في دورات ومحاضرات تدريبية عن تنمية الذات والطاقة الإيجابية والإبداع والريادة، لكنها (الثقافة) محصلة معقدة ومتراكمة للمنظومات الاقتصادية والسياسية، وما من إصلاح ثقافي من غير إصلاح اقتصادي وسياسي، فالمؤشرات الثقافية تشبه الأعراض الجسدية على الصحة والمرض، مثل درجة الحرارة وضغط الدم والألم والصداع والغثيان والإعياء والحيوية والاكتئاب والتحمل،.. هكذا يمكن أن تكون مؤشرات الرضا والقلق مثل الاستشعار الواعي والمبصر لما نحب أن نكون وما يجب أن نفعله لنكون ما نحب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock