أفكار ومواقف

التنمية والتطرف

تزداد فوائض الدول والمجتمعات العربية النفطية بشكل متطرف. وفي جهات أخرى من العالم العربي، تزداد المجتمعات والنخب تطرفا من نوع آخر. فالذي يجري في السودان يؤكد عمق العامل التنموي، ودوره الأساسي في حالة النقمة الشعبية، وقبل ذلك في سلوك النظام السوداني خلال السنوات الماضية، وما قاد إليه البلاد التي يُفترض أن تكون سلة خيرات للشعب السوداني وجواره.
حسب منظمة العمل العربية، فإن مشكلة البطالة في العالم العربي هي الأسوأ في العالم؛ إذ إن معدل البطالة هو الأعلى ما بين مناطق العالم، بما في ذلك أفريقيا جنوب الصحراء. حيث يوجد ما يزيد على 20 مليون عربي عاطل عن العمل، وبوجه خاص بين الشباب والإناث. وهذا الرقم في ازدياد مستمر. في المقابل، تذكر تقارير دولية صادرة قبل أيام أن الأرصدة الرسمية العربية قاربت، مع نهاية العام الماضي، نصف الأرصدة العالمية، وتضاعف مرات الناتج الوطني لبعض الدول النفطية العربية خلال آخر ثلاثة أعوام، بفضل طفرة أسعار النفط التي تتجاوز في هذا الوقت كل التوقعات.
المفارقات الكبرى تحدث في هذا العالم حيث جزء يزداد فقراً، ويموت الناس فيه بالتدافع على طوابير الخبز، بينما جزء آخر يزداد غنى بشكل مذهل؛ في الأرقام وفي الوقائع. المسألة اليوم تتجاوز مقولات الحسد والغيرة التي سادت في خطابات وثقافة التبرير التي سيقت لمواجهة الدعوة للاستثمار في المستقبل التنموي العربي في عقد السبعينيات، فذهبت تلك الثروات بدون أن تسهم في تدشين تنمية مستدامة تغير الحياة في هذه المنطقة، وتعيد تأهيل مكانتها الاقتصادية والسياسية في العالم. اليوم، نحن أمام أشبه ما يكون بدعوة الى شراكة قسرية في المستقبل، وإلا سيكون مصير المنطقة بأكملها نحو المزيد من التهميش والنهب المنظم لثرواتها، كما المزيد من الضياع الاجتماعي والتطرف والانغلاق.
لم تُهدد الدول والمجتمعات النفطية العربية، في يوم من الأيام، من قبل الدول والمجتمعات الفقيرة، بل كانت مصادر التهديد تأتي من داخلها؛ مرة كما حدث في العام 1990، ومرات عديدة من داخل المجتمعات، كما حدث من قبل التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها “القاعدة”.
المسألة في جوهرها تجاوزت اليوم الحديث النّدي عن الأدوار السياسية، أو الأمنيات حول التكامل الاقتصادي العربي، وذلك نحو إعادة الاعتبار للعقل الاقتصادي التنموي للدول النفطية، وقراءة المستقبل بحكمة. فالتنمية النافعة، وبناء عناصر القوة للدول والمجتمعات، لا يتوقفان عند تحليل شروط البيئة الداخلية؛ إذ إن قراءة البيئة الخارجية المحيطة بالسياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تقل أبداً أهمية عن الأوضاع الداخلية. فالتطرف والانغلاق لا يعرفان حدودا في إطار الثقافة الواحدة؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يسجل التاريخ الحديث أن انعزلت مجتمعات عن محيطها، وازدهرت ضمن هذا المحيط المملوء بالفقر والجوع البطالة والإحباط والنقمة.
ما يزال حجم الاستثمارات العربية البينية في أدنى مستوياته. وأرقام استثمارات الدول النفطية في الدول العربية الفقيرة التي تمتاز بموارد بشرية مؤهلة وميزات حيوية معقولة، لا تشكل سوى نسب ضئيلة أمام حجم العوائد والفوائض والاستثمارات الخارجية والأرصدة المجمدة غير الآمنة، والمحتمل أن تتحول الى نقطة ضعف في أي لحظة. بينما ما تزال العمالة العربية، رغم كل ما يقال، لا تشكل شيئاً بالمقارنة مع العمالة الآسيوية والعمالة الأجنبية التي تدفقت في السنوات الأخيرة على شكل خبراء ومستشارين.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock