أفكار ومواقف

التنميط بواسطة التعليم

قبل سنوات قليلة، كتب دوايت واتكنز، في مجلة «أوين»، مقالا مطولا جدا، تجاوز 4 آلاف كلمة، أسماه «مدرسة الفشل».
واتكنز، الحاصل على درجة الماجستير في التربية من جامعة جونز هوبكنز، ودرجة ماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة بالتيمور، ألقى الضوء على نظام التعليم الأميركي من خلال أنماط التعليم وسياساته في مدارس السود.
قبل أيام أعدت قراءة المقال من جديد، يتحدث واتكنز بإسهاب كبير حول السياسات والإجراءات التي تتخذها بعض مدارس السود في بالتيمور، ويطرح مثالا صارخا من خلال المدرسة المتوسطة التي يتعلم فيها ابن شقيقته، يكشف عن أن كل ما فيها من فوضى وعدم انتباه للنظافة في المرافق المختلفة، وأيضا للعنف الذي يحيط بها، كل ذلك يؤدي إلى عدم فعل شيء تجاه الطلبة، ليؤكد بصرامة «أسوأ المدارس العامة تفعل شيئًا جيدًا؛ فهي تعلم الأطفال السود الفقراء كيفية البقاء في الطبقة الدنيا الأميركية».
ربما ينطلق واتكنز من قناعات راسخة أن تعليم الأميركيين من أصل أفريقي يخضع في الولايات المتحدة لتمييز عنصري واضح، لكن مقالته فتحت عيني على واقع تعليمي أردني شبيه بالذي يحدث هناك. صحيح أنه لا دخل له بالتمييز العنصري، لكن ألا نفعل نحن هنا ذلك، ولكن من منطلقات أخرى، وبمسميات مختلفة؟!
خلال العيد، قضيت العطلة في الشمال. من الجيد أن تعرف العدد الكبير للمدارس التي تم تأسيسها خلال العقد الأخير في القرى، لقد أصبح الأمر كما لو أنه يتوجب إنشاء مدرسة لكل حي. قد يعتقد كثيرون أن هذا الأمر جيد، بينما يجادل تربويون بأنه حمّال أوجه، وقد يكون أمرا غير محمود يؤدي إلى تفتيت الجهود، واستنزاف الموارد والإمكانات والإدارات المؤهلة، ما يحيلنا إلى الاستعانة بإدارات من الصف الثاني أو الثالث، وعندها لا بد للتأثير أن يكون مباشرا على مخرجات عملية التعليم برمتها.
لكن الأمر الآخر الأشد قتامة، هو البنية التحتية لكثير من تلك المدارس، والتي تشكو من إهمال واضح حتى من الخارج، بينما أخبرني سكان بعض تلك القرى أن كثيرا من أسقف الغرف الصفية يعاني من تشققات وتصدعات، ونوافذها مكسرة لا تحمي من الحر صيفا، بينما البرودة في الشتاء لا تطاق.
كيف يمكن قراءة نفسية ومزاج طفل يجلس لساعات طويلة يوميا في غرفة صفية آيلة للسقوط؟!
التعليم في الأطراف يعاني بشدة، وهي معاناة ليست غائبة عن صانع القرار، فالأمر لا يتوقف عند البنية التحتية، بل يتعداها إلى توفير الموارد، والتي تشمل توفير المعلمين الجيدين، بل أحيانا مجرد توفير معلمي بعض المواد، إذ كثيرا ما بدأ العام الدراسي وقسم من تلك المدارس يعاني نقصا في معلمي مواد بعينها، وربما يمر شهر أو شهران من دون أن يلتحق المعلم بطلبته.
التعليم في الأطراف، كذلك، يعاني من ضعف الرقابة المركزية. يحدثني أحد المعلمين عن أن كثيرا من معلمي مدارس الذكور يستطيعون أن يغادروا مدارسهم قبل الساعة الحادية عشرة ظهرا، بينما هناك التزام أكبر – ليس كثيرا- في مدارس الإناث.
لنعترف بالأمر؛ مدارس المدن الرئيسة أفضل حالا من هذا الواقع. المسألة تتحدد بغياب العدالة، ليس في الشأن التعليمي فحسب، بل بتوزيع مكتسبات التنمية ككل. إنها عملية متكاملة، فشلت الحكومات المتعاقبة في تحقيقها، ولعل ذلك يحتم على الطلبة الذين يدرسون في البيئات الأقل رعاية أن يظلوا خاضعين للاشتراطات المعيشية نفسها، أو بعبارة أخرى، يعمدون إلى إنتاج آبائهم وأجدادهم، من غير أن يتمكنوا من الانفكاك من قيد الطبقة الاجتماعية التي يعيشون بها.
صحيح أن بعض المتفوقين ينجحون بكسر هذه القاعدة، ولكنهم سيبقون أقلية، بينما الأكثرية ستعيد إنتاج الوظائف نفسها، والأنماط المعيشية السابقة من دون أن يستطيعوا فعل شيء مهم، فالتعليم المدرسي أصبح نخبويا، والمنافسة بين أبناء الأطراف وأبناء المدن الرئيسة ليست عادلة. بينما التعليم الأردني الجامعي تحول إلى نخبوي منذ ثلاثة عقود!
في النهاية، هناك مشكلة بنيوية واضحة في المدرسة الحكومية، نتجت عن السياسات طويلة الأمد التي لم تنظر بعدالة إلى البيئات الأردنية المختلفة، فأنشأت مجتمعات «مؤطرة» بنظم اجتماعية ومعيشية محددة، لن نستطيع تجاوزها ما لم نعمد إلى بناء نظام تعليمي وطني شامل، يأخذ في اعتباره تحقيق العدالة الغائبة.
هل تحدثت عن الطبقية هنا؟
نعم؛ فهي طبقية لم يعد بالإمكان إخفاؤها.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
47 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock