أفكار ومواقف

التهميش والجرائم المتوقعة

جاء تقرير الزميلة نادين النمري في الغد عدد أمس الأول عن جريمة مقتل الطفلة نبال متفقا مع التوقعات والتقديرات العامة لما يحدث وسوف يحدث في بيئة من التهميش والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وهذا يطابق مؤشرات جميع الدراسات والتقارير التنموية الدولية والوطنية، ومفادها ببساطة أن الفقر والتهميش تؤدي بالضرورة الى الجريمة والتطرف، وفي المقابل فإن المشاركة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية تؤدي إلى التماسك والرضا. ليس هذا اكتشافا جديدا، ولا تقلل من شأنه الأمثلة الصحيحة التي يتبرع بها أتباع نظرية النزعة، أي النظر إلى الشر والجريمة كنزعة مستقلة عن البيئة الاقتصادية والاجتماعية، ولسوء الحظ فإن الحكومات تميل إلى هذا التفسير وتتمسك به، فهو تفسير يبرر التسلط وانتهاكات حقوق الإنسان وغياب العدالة، ويعفي الحكومات والمجتمعات من مسؤوليتها، ويبرر العجرفة والاستعلاء والتمييز الطبقي والاجتماعي الكاسح والمتقبل والمتواطأ عليه.
التنمية والإصلاح يعنيان ببساطة كما يؤكد البنك الدولي “الأفراد الأصحاء والمتعلمون والماهرون والقادرون على الصمود هم الذين يدفعون عجلة الاقتصاد إلى الأمام” وفي هذا الرخاء المقدور عليه ضمن مواردنا المتاحة ننجز المشاركة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتتحقق الفضائل والأخلاق، فهما (الفضيلة والأخلاق) لا يهبطان من خارج المجتمعات ومنظومتها الاقتصادية والثقافية، والإصلاح ليس المختار الموعود أو مهديا أو مسيحا أو مخلصا منتظرا.
التقرير الصحفي للنمري يلقي الضوء على بيئة هشة اجتماعيا واقتصاديا، وأعمال وموارد رثّة، هشاشة وإهمال وتقصير في إدارة وتنظيم المرافق والخدمات والمؤسسات، ولا مناص من التذكير وإعادة التذكير المكرر والممل فلسنا قادرين لسوء الحظ على تجاوز هذه النقطة؛ ضعف الخدمات الصحية والاجتماعية الموجهة للفقراء والمعوقين وكبار السن، والإقصاء والتهميش، وعدم المساواة، وعدم شمول جميع المواطنين بالخدمات والتنمية، وغياب التخطيط الأسري والفردي والادخار، الضعف الفردي والمجتمعي والمؤسسي أمام الأحداث والكوارث والمناسبات، والطفولة المحرومة غذائيا وسلوكيا وصحيا وعاطفيا، والشباب المهدور، والمعاقون غير المندمجين في الأسواق والمؤسسات والأسر والمجتمعات، وغياب التكامل بين تقدم الأفراد وتقدم المجتمعات، الفجوة بيننا وبين العالم في جميع مؤشرات التنمية وتنامي هذه الفجوة عاما بعد عام، وعزلة المستهلك بلا حماية ولا تنظيم أمام الأسواق والشركات والموردين وغياب الحكومة بل وتحالفها مع البنوك والشركات والأغنياء، والانحياز في الانفاق العام، وعدم أو ضعف انتماء المواطنين من الاستثمارات والشركات كما يبدو في التشغيل والأجور والفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، والمخاطر التي تهدد التنمية، والتطرف والفشل، وضعف المناعة امام الفقر والحوادث والطوارئ، مثل الوفاة او المرض او الحوادث والاصابات، وضعف أو غياب التجمع حول المكان، وعدم المشاركة أو التحكم بالموارد، …
والحال أن المسألة ليست في تطبيق أو عدم تطبيق عقوبة الإعدام، أو في العفو العام، ولا في الحلول الأمنية على ضرورتها وأهميتها، لكن الحلول الأمنية لم تكن في التاريخ والجغرافيا حلا للجريمة، هي ردع بل وتتحول في ظل الرخاء والتماسك إلى عمليات رمزية واحتياطية أو رديف اجتماعي، لكن المواجهة لا تكون الا بالتنمية بما هي الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والحريات والكرامة والمشاركة، ولا تشكل عمليات تخطيط المؤسسات والبرامج أكثر من ربع التنمية، فيما ثلاثة أرباعها في المتابعة والتقييم، وبناء الشراكة الاقتصادية والاجتماعية مع المجتمعات والأسواق، وتقدم الأفراد، والقدرة على مواجهة التحديات والاستعداد لها؛ الفقر والبطالة، والكوارث والنزاعات واللجوء، والتماسك الاجتماعي، والاهتمام الإيجابي المميز بالأطفال وكبار السن والمعاقين والمرأة والأقليات والمهمشين، والشباب.. وأخيرا بناء العدل والحريات، ومواجهة الفساد وعدم المساواة.
يجب أن يتحول وجود المواطن وإقامته إلى مشاركة حقيقية وملموسة. ومبتدأ ذلك بإلزام جميع المقيمين أن تكون مشاركتهم الانتخابية في مكان إقامتهم، وأن تكون دراسة جميع أبناء الحي من الصف الأول إلى الرابع، إن لم يكن حتى العاشر، في الحي الذي يعيشون فيه؛ فلا يمكن أن تنجح مشروعات وأفكار في تجمعات العابرين!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock