تحليل إخباري

التوجيهي: ما له وما عليه

الدكتور ذوقان عبيدات

منطلقات :
– هناك بدائل عديدة لتطوير التوجيهي وتغييره كليا أو لإصلاحه إذا توافرت إرادة سياسية.
– قامت وزارة التربية والتعليم بتدريب المعلمين وتأهيلهم وتطوير المناهج، وتحسين البيئات المدرسية، ووضعت حوافز للمعلمين دون أن ينعكس ذلك في أي تحسن في نتائج الطلبة في التوجيهي.
– التوجيهي – بسمعته الحالية – سد منيع أمام تطوير التعليم وتعليم التفكير، حيث يوظف المعلمون جهدهم بتوجيه الطلبة إلى الحفظ بدلا من الفهم، ففي التوجيهي الفهم والتفكير ليسا ضروريين!
– التوجيهي يقذف بخمسين بالمائة من الطلبة إلى المجهول، بعد أن درسناهم اثنى عشر عاما ورميناهم راسبين في التوجيهي.
– لا علاقة لنقد التوجيهي بالكرامة الوطنية، فالتوجيهي ليس هوية وطنية!
– التوجيهي الحالي ليس عادلا لأنه يساوي بين طلبة مختلفين في كل شيء، هناك مدارس لا ينجح بها أحد !! ومدارس ليس فيها أدوات ولا معلمون مؤهلون!!
حالة نادرة جدا – ولكنه شائع جدا – وجماهيري جدا، ومدعوم من صقور التعليم والامتحانات! فهو ينجّح ويرسّب ببعض حساب، وهو من يميز ويفرّق دون حساب! هو من يحدد ارستقراطية التعليم ضد ديمقراطيته، هو من لا يميز بين بيئة وأخرى!
لا يتعصب ولا ينحاز! يشد أزر الجامعات، ويريحها من أكثر مسؤولياتها أهمية، وهي اختيار طلبتها ، فالجامعات لا حول لها تنتظر التوجيهي وهي على لسان كثيرين ليست فخورة بما تخرجه الجامعات!
إذن ! مبررات التوجيهي:
1. يميز بين الطلبة في النتائج، ويوحد بينهم في الأسئلة بالرغم من عشرات الفروق. فلا فضل لكركي على طفيلي إلا بما اكتسبت يمينه! وهذا كما ترى خير فيه شرور قاتلة.
2. يمكن الجامعات من الاختيار، والجامعات ليست فخورة بما يأتيها من تسعينات أو ثمانينات، وتدعي أن معظمهم لا يتقنون مبادئ أساسية في الكتابة والإملاء ومع ذلك يميزون بينهم في القبول! وقد لا يميزون بينهم في التخرج، فالكل خريج ! ومن دخلها آمن !
3. والتوجيهي ليس له بديل، فهو الأداة الوحيدة الفاعلة المتاحة. ولولاه لسدت بنا السبل، فالتوجيهي طريق الجامعة ومسربها الوحيد ! وكثيرا ما يقال: حسنا نلغي التوجيهي، فما رأيكم؟
4. وأخيرا، فالتوجيهي هو الحياة الآخرة للطلبة، فيها الحساب ومن يدرس مثقال ذرة يره !! وهكذا لا يجوز أن يمر الطلبة دون حساب ، ولا دون أهوال – ولا دون عذاب الصبر-!! وبشكل عام : في التوجيهي يكرم المرء أو يهان !
وهناك مبرر خامس أو ميزة خامسة – أرفض اعتبارها – وهي أن التوجيهي صار هوية وطنية، وسيادة وأمنا وطنيا عاما . ومن مسّ التوجيهي فإنه يعبث بالكرامة الوطنية أو يريد تدمير آخر حصون الوطن!!
وقد تكون هذه مزايا للتوجيهي، لكن ماذا عن أخوات التوجيهي اللواتي يأتين مصاحبات له ؟
(1) فما أخوات التوجيهي ؟
يأتي التوجيهي مرة أو مرتين سنويا، وأخيرا صدعوا لأغنية فيروز : زوروني كل سنة مرة ! وهكذا كان المصاحب الأول للتوجيهي – زيارة سنوية – يتأثر بها كل مواطن تقريبا حتى أولئك الذين ” طفشوا” إلى تركيا وليبيا والبرامج الدولية !!
أما الصاحب الثاني فهو القصور الناتج عن ضعف الامتحان واحتمال تعرضه لأخطاء فردية لم يعد مسموحا بها في ظل تنمر الإعلام المعاصر.
والصاحب الثالث، عند إعلان النتائج وتفاخر وزير أنه ” رسّب ” تسعين ألف طالب في الامتحان العتيد.
والصاحب الرابع، تجّار التوجيهي الذين ” تفنّنوا” في صياغة الدوسيات والملخصات والمراكز التحفيظية حيث تضييع أقل القيم التربوية وهي التعلم الذاتي والوعي الشخصي والإدارة الحرة والاستقلال الفردي لصالح حفظ معلومة لا معنى لها إلا أنها قد تأتي في الامتحان!
وبعيدا عن تجار التوجيهي فهناك جيوش من المنتفعين بالتوجيهي مثل مخططي وضع الأسئلة، والمراقبين ورؤساء القاعات و المصححين وغيرهم أيضا الحراس والعمال وعمال البريد ورجال الشراء والعطاءات وغيرهم أيضا.
وأخيرا لا أعرف إن كان هناك مكافآت للعاملين في حماية القاعات من غدر الجمهور!! ولكن يكفي أن نقول: إن امتحانا يتم تحت حراسة السلاح لن يكون سوى حرب!
بعد تلك الأزمات السابقة تأتي فرحة النجاح ” المشروعة” حيث تتأثر محلات الحلويات والهدايا – وربما الاقتصاد- بخطأ سؤال في امتحان الفيزياء أو اللغة العربية. تعُمّ فرحة 60 % من الناجحين، وبعضهم لا يفرح لعدم حصوله على معدل، فيضطر إلى القتال من أجل علامة أو علامتين !! ويمكن تقدير – ولا نسبة لدي – أن 10 % من الناجحين ليسوا فرحين! فإذا أضفنا لهم قلق الراسبين، فإننا نقول إن التوجيهي نجح في فصل المجتمع نصفين: الناجحون وأهلهم، والراسبون وأهلهم! وأنا هنا لا أستهين بمشاعر غير الناجحين، ولكن تيارا كبيرا من الناجحين وأهلهم يتلذذون بمصير ” الفاشلين” ويعيرون أهل الراسب بأنهم فاشلون أيضا!
ليس لدينا دراسات حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والمدرسية للناجحين وغير الناجحين، ولكن يسهل الاستنتاج بأن هناك فروقا واسعة لصالح الناجحين!! ذلك لأن مدارس كثيرة ليس بينها مدرسة في مدينة، لم ينجح فيها أحد!! يا إلهي ! أي امتحان هذا تكون نسبة النجاح في مدرسة 100% ونسبة الرسوب في مدرسة أخرى 100% ! فهذا بتقديري لا يحدث الا في ظل امتحان كامتحاننا الذي تخلصت منه أنظمة تربوية عديدة !!

(2) في العمق
سأطرح أسئلة عديدة !
كيف لنظام تعليمي – وأنا جزء منه – أن يمارس خبرة امتحان عام، ولا يمتلك جهاز إنذار لعدم وجود أخطاء شكلية أو حتى إعلامية في أوراق الامتحانات؟ أقدر ولو أن لدي بعض المعلومات :
– هناك ضعف في اختيار واضعي الأسئلة، فهل يتم اختيارهم وفق معايير سليمة؟ وهل من يدرس المادة مؤهل لوضع أسئلة امتحانها؟
– وهناك نقص في آليات عمليات وضع الأسئلة . فالفاحصون يعملون في ظل تعليمات غير محددة مثل تدرج الأسئلة وتنوعها وشمولها الكتاب، وارتباطها المباشر بدفتي الكتاب. وهذا يفسر تسلل فاحصين غير مؤهلين وتسلل أسئلة غير مقبولة .
– والفاحص لا يخضع لرقابة، يضع السؤال باختياره ولا يكشف السؤال الا في قاعة الامتحان، مما يسمح بوجود أخطاء بشرية .طبعا هذا حفاظا على السرية!! وبذلك يكون الامتحان وجهة نظر الفاحص أكثر من كونه انعكاسات لمنهاج ولقيم تربوية ومجتمعية واقتصادية ومنطقية.
– أما الرهبة – ما قبل الامتحان- وغياب التوجيه الذي يكاد يقتصر على إعلام ما قبل النضج ، حيث يأتون باستشارية وخبير ينصحون الطلبة بعدم الخوف والتوكل والأمل ! لا معلومات عندي لكن أرجح أن الطلبة لا يتلقون برنامجا إرشاديا بعنوان : -كيف تتصرف- ما قبل الامتحان وأثناءه وبعده .

(3) أشكال مقترحة وبدائل
إذا كنا نتحدث عن إصلاح التوجيهي، فيمكن اقتراح ما يأتي من غير العجائب لأنها بديهيات معروفة :
– إنشاء بنك أسئلة بما في ذلك أسئلة متعددة وبديلة ومصنفة حسب المستوى وحسب تنوع أهداف المادة .
– إعطاء الطلبة كشفا بما حصلوا عليه من علامات، دون ذكر راسب أو ناجح مع تهيئة فرص واسعة للحصول على علامات متوسطة .
– عقد الامتحان شهريا، لكي تتاح الفرصة لأي طالب إعادة الامتحان بسهولة، طبعا هذا يتطلب وجود هيئة تشرف على الامتحان.
– تنويع الامتحان حسب البيئات التربوية، فالعدالة أكثر أهمية من المساواة ! وأي عدالة ومنطق في أن يقدم طلبة المدارس النائية نفس امتحان مدارس المدن؟
– إعطاء الطالب كشفا بالمواد التي اجتازها فقط دون تسجيل ما فشل في اجتيازه .
– ولوجستيا ، يعقد الامتحان في نفس المدرسة، ويراقبه نفس المعلمين، مع إبعاد الامتحان عن أي مؤثرات تثير الرعب والرهبة .
– عقد امتحان لمن يرغب في مواصلة الدراسة الجامعية، وامتحان آخر مختلف لمن يرغب في الالتحاق بسوق العمل . صحيح أن لكل امتحان أو نمط – عيوبا – لكن يمكن السيطرة على العيوب في تصميم أي بديل .

(4) بديل جديد
يمكن البحث عن امتحان جديد يركز على تطبيق المعلومات وعلى مهارات إنتاجها واستخدامها والبناء عليها، وهذا النوع موجود في الاختبارات الدولية، ففي امتحان البكالوريا الدولية وامتحانات تيمس وبيسا وسات ما يلغي اختلافات البيئة والمناهج والثقافة .
ويمكن من خلال تشكيل فريق – أعتقد أن وزارة التربية تفكر حاليا – بإنشاء فريق وطني ليضع بديلا أو تطويرا لاختبار يتجاوز مشكلات النظام الحالي للتوجيهي . فالفريق الوطني هو المؤهل لوضع البديل، فإذا ما أحسنا اختيار الفريق وتوافرت الإرادة فإننا على أبواب حل لمشكلة التوجيهي ، وأقترح أن يضم الفريق :
– تربويين من ذوي الرؤى
– مفكرين من المجتمع مختصين في علم الاجتماع والنفس
– مختص في القياس وليس مختصين في القياس .
– فالامتحان عملية اجتماعية تربوية، والفنيّون ليسوا معنيّين في وضع سياسات .

(5) المبررات
إن تغيير نظام التوجيهي يستند إلى المبررات الآتية :
1. السمعة السلبية التي أحاطت بامتحان التوجيهي الحالي، حيث تراكمت سلبيات جعلت اتجاهات الطلبة والمجتمع نحوه معادية .
2. تناقض وتضارب نتائج التوجيهي بين عام وآخر، مع وجود قصديات وسياسات متضاربة تفرض الصعوبة أو السهولة بين عام وآخر .
3. ضعف الانسجام بين نتائج الطلبة في مادة دراسية ما، ففي سنة 2015 كانت نسب نجاح الطلبة في اللغة العربية تختلف من تخصص إلى آخر، حيث ترتفع نسب نجاح طلبة الفرع الزراعي في اللغة العربية وتنخفض مثيلتها في تخصص الصناعي أو الفندقي . أو ترتفع نسب النجاح في التربية الاسلامية في تخصص وتنخفض في تخصص آخر، مما لا يسمح بتفسير هذه النتائج إلا بالصدفة.
ولعل المبرر الكبير في نقدنا للتوجيهي ما يأتي :
دربنا المعلمين، وأنشأنا أكاديمية تدريب، ووضعنا حوافز للمعلمين، وطورنا المناهج، ورفعنا مستويات المعلمين التربوية ، والمادية ولم تتغير شيء في نسب النجاح في التوجيهي، مع أن الجهد كان حقيقيا، ولكن الامتحان كان بليدا لم يستجب لأي من المتغيرات.
كان من المفروض نتيجة لجهد الوزارة أن تتحسن نسب النجاح ولكن أيا من هذا لم يتحقق!!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock