أفكار ومواقف

التوجيهي وكورونا وضبابية الرؤية

لم تكن الحكومة تمتلك خيارا آخر حين اضطرت لاتخاذ قرار تعطيل المدارس كأحد الإجراءات المبكرة للتعامل مع جائحة كورونا، واللجوء إلى “التعليم عن بعد” كي لا يفقد الطلبة حقهم في التعليم خلال هذه الفترة التي قد تطول.
التجربة كشفت للأسف الضعف الذي تعانيه مؤسساتنا التعليمية والعاملون فيها في إدراك مفهوم التعليم عن بعد وفي مدى الجاهزية الفنية والتقنية للتعامل مع هذا النمط من التعليم.
قليلون عبروا عن شيء من الرضا والتأقلم مع المصادر المتاحة ومن بينها الحصص التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم عبر منصة “درسك” وتخصيص قنوات تلفزيونية لبثها وهو جهد مقدر للوزارة والمعلمين القائمين على ذلك، لكن حالة من الإرباك يعانيها غالبية الطلبة وأولياء أمورهم والمعلمين أيضا.
آلية عرض الدروس باستخدام فيديوهات مسجلة لمدرسين يقرأون محتوى الكتب، بعضهم يكتفي بتصوير صفحات الكتاب بمرافقة صوته المسموع بالكاد، وآخرون يعطون ظهورهم للطلبة مستعينين بلوح أو كراس أمامهم، إضافة إلى التشويش والإزعاج من مجموعات واتساب تضم عشرات الطلبة وذويهم، دفعت كثيرين للجوء إلى الدراسة الذاتية، وهو أمر تتفاوت فيه قدرات الطلبة وذويهم بشكل شاسع، كذلك الحال بالنسبة لشريحة واسعة من سكان الأطراف ممن لا تتوافر لديهم التقنيات اللازمة لمتابعة تلك الدروس.
كل هذا يجعل من الصعب جدا اعتبار المواد المفترض إتمامها ضمن هذه الفترة مواد تم شرحها بالفعل للطلبة ويمكن اختبارهم فيها، ولعل الفئة الأكثر حرجا وتضررا من ذلك هم طلبة التوجيهي، الذين تتسم مرحلتهم بالحساسية العالية في الأحوال الطبيعية.
القلق والاضطراب والطوارئ صارت سمات الأسر التي تضم طلبة التوجيهي منذ سنوات، لكن طلبة هذه السنة بالذات بدؤوا عامهم بأسباب ضاعفت هذه الحالة لديهم، فما أن دخل العام الدراسي حتى بدأ إضراب المعلمين وهي فترة يمكن القول بأن التدابير التي اتخذت لتعويض الطلبة عنها خففت كثيرا من آثارها، لكنها لن تلغيها بشكل كامل.
إضافة لذلك، فهناك شعور يخيم على الطلبة عززه بعض المعلمين لديهم، بأن امتحانات هذا العام ستكون أكثر صعوبة، لتدارك ما اتهمت به الوزارة من تساهل مبالغ به في امتحانات السنة الماضية.
ثم جاءت أزمة كورونا وتعطيل المدارس لتزيد حالة الإرباك تلك، التي فاقمتها ضبابية الرؤية، وعدم وجود قرارات قطعية أو توجهات واضحة لدى وزارة التربية والتعليم حول امتحانات الثانوية العامة لهذا العام.
الفصل الدراسي الثاني في حالته الطبيعية يقترب من نهاياته، ولا يزال الطلبة لا يعلمون متى وكيف وفي أي دروس سوف يتم اختبارهم.
البعض يتوقع أن تعقد الاختبارات في موعدها الاعتيادي بمواد الفصل الدراسي الأول فقط، وهو خيار ربما يكون الأقرب لما يتمناه الطلبة مراعاة لما مروا به نتيجة هذا الظرف القاسي، لكنه بالتأكيد يحتاج إلى دراسة عميقة، فإسقاط مواد فصل كامل للثانوية العامة ليس أمرا بهذه السهولة.
وهناك من يجادل بضرورة أن لا يتم إسقاط أي جزء من المواد الدراسية، وهو رأي له كثير من المبررات المنطقية، لكن اختبار الطلبة بمواد الفصل الدراسي الثاني دون انتظامهم بدوام مدرسي فعلي سيعود على معظمهم بضرر كبير، وسيخلق الكثير من عدم العدالة بين طلبة المدارس التي تمتلك أدوات متقدمة مكنتها من تقديم محتوى فعال لطلبتها عن بعد، وبين طلبة بقية المدارس وخصوصا في الأطراف.
الوزارة بلا شك في موقف لا تحسد عليه، فاتخاذ قرار بشأن الامتحان الوطني الأهم ليس أمرا سهلا، وهو قرار مصيري لما يقارب 200 ألف طالب، لكن على الوزارة أن تحسم الأمر، فبقاؤه بهذه الضبابية سيرهق الطلبة وسيزيد من اضطرابهم، وهم بالتأكيد لا ينقصهم المزيد من أسباب القلق.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock