فكر وأديان

الثقلاء

د. أحمد ياسين القرالة

هم فئة من الناس يفتقرون لأدنى قواعد الذكاء العاطفي والوجداني، ويتسمون بالبلادة وتحجر المشاعر، لا يكادون يشعرون بمدى أذيتهم لغيرهم، غير قادرين إدراك مقدار الكآبة التي يلحقونها بمن يتواصلون معهم ولا حجم الضرر النفسي الذي يتسببون فيه للمتعاملين معهم، فهم عاجزون عن قراءة المشاعر وتلمس الضيق والضجر الذي يصيب الآخرين من جراء أفعالهم وتصرفاتهم وبلادة إحساسهم، ويشكل وجودهم والتعامل معهم عبئاً نفسياً ثقيلا وعناء روحيا هائلا يصعب تحمله والصبر عليهم، وقد أجاد الشاعر وصفهم والتعبير عن حقيقتهم حيث قال:
“وثقيل أشدّ مِن ثقلِ الموتِ
ومِن شدّةِ العذابِ الأليمِ
لو عَصتْ ربَّها الجحيمُ لما كانَ
 سواهُ عقوبةً للجحيمِ”
وللثقلاء سمات عديدة وسلوكيات مختلفة تميزهم عمن سواهم، ككثرة تطفلهم على غيرهم وتدخلهم في شؤون الناس العامة والخاصة، وطول مقامهم ومكوثهم، وإسهابهم الممل في أقوالهم وأحاديثهم، وكثرة مزاحهم وسخريتهم، وسعيهم للاستئثار بالمغانم والمكاسب، وهم ليسوا في درجة واحدة من خشونة الطبع وغلاظة الحس، أدنى درجات ثقلهم كفيلة بإثارة الضجر والكآبة في النفس، فقليل الثقيل كثيرٌ، كما قيل، فما بالك بكثيره؟!
ويعتبر هذا السلوك من أكثر الأفعال والتصرفات ذمامة وأبعدها عن مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وقد نهى الإسلام عنه لأنه يؤدي إلى كراهية صاحبه والنفرة منه وتجنب مجالسته، كما أنه لا يستقيم مع خلق التدين الذي يدعو لحسن المعاشرة ولطافة التعامل وخفة الظل، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ”.
اشتملت الآية الكريمة على مجموعة من الوصايا والسجايا التي تجعل المسلم خفيف الظل لين المعشر سهل التعامل رقيق الإحساس، فهو لا يدخل بيوت الآخرين أو ينتهك خصوصياتهم دون استئذان، ولا يحضر مناسبة أو وليمة دون دعوة أو رغبة،
وإذا دُعي لزيارة فلا يطيل البقاء ولا المقام، ولا يستمع لحديث أو كلام أو يطلع على مخفي إلا بموافقة صاحبه.
ومما يدل على وجوب ابتعاد المسلم عن التصرفات المستثقلة والأفعال السمجة قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ”. فالآية الكريمة واضحة في دلالتها على ضرورة اتصاف المسلم بخفة الظل وأريحية التعامل والتماس الأعذار وقبول الاعتذار، فإذا استأذن لأمر ما ولم يؤذن له فعليه أن يتقبل ذلك ويرضى به، إذ تأبى عليه مروءته وأخلاقه وتدينه أن يكون مصدر عبءٍ ومبعث ثقل ومنبع إزعاج وتوتر للآخرين.
وإذا كانت الثقالةُ  مكروهةً مذمومةً فإنها تصبح أكثرَ ذماً وأشدَ كراهية إذا اتصف بها المتدينون أو الدعاة ؛ لأنها تعطي صورة مشوهة عن التدين، وتؤدي إلى الصّد عن سبيل الله وتنفير الناس من المتدينين، قال تعالى” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ”.
لذلك ينبغي على الداعية إلى الله أن يكون فطناً في تعامله، ليناً في كلامه، لطيفاً في أسلوبه، سهلاً في أخلاقه خفيفاً في مجالسته، قادراً على تحسس عواطف الآخرين ومشاعرهم، متمكناً من التفاعل معها والاستجابة لها، ولا يجوز له أن يفرض نفسه على الناس فرضاً، أو أن يؤدي قوله أو فعله إلى إيذاء الآخرين أو جرح عواطفهم وخدش مشاعرهم، مما يتسبب في انصرافهم عن دعوته ويمنعهم من الاستجابة لها، وعليه أن يختار أرقى الكلمات وينتقي أفضل الأساليب ويتحين أنسب الأوقات لإيصال دعوته وإغراء الناس بها، امتثالاً لقوله تعالى:” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”، فالثقلاء لا يكونون دعاة ولا يوصلون رسالة، وضررهم على الدعوة أكبر من نفعهم، وهم عبء ثقيل على الدعوة والدعاة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock