أفكار ومواقف

الثورات وبدائل النظم

الثورات هدفت إلى التغيير، حيث رفعت شعار: “الشعب يريد إسقاط النظام”، لكن لم يوصل التغيير إلى ذلك. فالأمور تسير نحو التفافات بهدف إعادة بناء النظام، انطلاقاً من المصالح التي يمثلها. هذه النتيجة أوحت بأن المسألة تتعلق بتغيير شكلي في السلطة من أجل “تنفيس” الاحتقان الاجتماعي، وأطلقت كل الأفكار حول “المؤامرة”.
ما يهم هنا هو رصد آليات القوى التي طالبت بالتغيير، وكيف تصرفت في الثورة؟
سنلحظ بأن المشاركين في الثورات هم الشباب وأحزاب معارضة، وكان فعل الشباب هو الفعل الأساسي، والمبادر. فإذا كانت هناك أحزاب تتصارع مع النظم بهذا القدر أو ذاك من الحدّة، وتتقارب حين تستطيع، فقد انطلق الشباب من مبدأ تجاوز الأحزاب. ولهذا، فقد فرض الشباب إيقاع الثورة، ولعبوا الدور القيادي فيها من خلال لجان شكلها. لكن كيف جرى التعامل مع عملية الالتفاف التي حدثت وتحدث؟
في تونس بدأت الانتفاضة عفوية تطالب بالعمل والأجر الذي يسمح بالعيش، وبدأت تتبلور لجان تنظيمها، من أشخاص ينتمون لأحزاب وآخرين ينتمون لمجموعات تنشط داخل الاتحاد التونسي للشغل، وتوسعت من الريف إلى المدينة/ العاصمة. وخلال ذلك تطورت شعاراتها من حق العمل إلى إسقاط النظام. وخلالها فُرزت الأحزاب المعارضة بحيث اصطفّ بعضها مع إصلاحات بن علي ورفضها آخرون. ولقد أفضت تنحية بن علي وتهريبه إلى قبول البعض بالحكومة الجديدة وبالصيغة التي طرحتها، ورفض قوى أخرى مثل حزب العمال الشيوعي وكثير من التجمعات الماركسية اعتبار أن الثورة انتصرت. لهذا طالبت بحل الحزب الدستوري وإسقاط الحكومة التي يترأسها عضو في الحزب، والدعوة إلى تشكيل مجلس تأسيسي يصيغ دستوراً جديداً.
في هذا الصراع برز حزب العمال وبعض القوى الماركسية، وقوى قومية أخرى، والأمور تسير نحو انتخاب مجلس تأسيسي، رغم أن الفئات التي شكلت الحكومة تعمل على إعادة إنتاج سلطة الرأسمال المافياوي المترابط مع الإمبريالية.
في مصر، تحكم الشباب بالثورة منذ البدء، وظلوا يتحكمون بمسيرتها خلال أيام ميدان التحرير. وإذا كانت أحزاب المعارضة الرسمية تميل إلى التفاوض مع السلطة وقبلت التغيير لكنها ظلت في خط التفاوض مع السلطة الجديدة، فقد التحق الإخوان المسلمون بـ”التغيير” الذي تمثل في المجلس العسكري.
الشباب اعتقدوا بأنهم انتصروا انطلاقاً من فكرة أن المجلس العسكري معهم، وحين لاحظوا التلكؤ الذي يحكمه، مارسوا الضغط من خلال المليونيات أيام الجمع، وكان يستجيب. وفي هذا الوضع تجاهل الشباب بعض مطالبهم، منها ضرورة تشكيل مجلس رئاسي هو الذي يشرف على مرحلة انتقالية يجري خلالها إعداد دستور جديد. فقد أدخلهم المجلس العسكري في تفاصيل أبعدتهم عن ضرورة أن يتنحى المجلس العسكري عن المرحلة الانتقالية، وأن تفرض قوى الثورة السلطة التي تشرف عليها. والصراع ما يزال يجري حول ذلك، رغم أن المجلس العسكري قد أصدر إعلانا دستوريا، وقرّر الانتخابات لمجلسي الشعب والشورى في أيلول (سبتمبر). ويعيد الشباب الضغط من أجل تشكيل مجلس رئاسي وصياغة دستور جديد، بينما تستعد الأحزاب لخوض الانتخابات، ويبدو أنها وافقت على الصيغة الانتقالية التي قررها المجلس العسكري.
اليمن هي الصيغة التي يجب أن تحظى بالاهتمام. فيبدو أن شباب الثورة قد استفادوا من التجارب في تونس ومصر خصوصاً، لهذا نشطوا من أجل صياغة البديل عبر تشكيل مجلس رئاسي يقود المرحلة الانتقالية، من الشباب أنفسهم ومن أحزاب المعارضة التي تجتمع في اللقاء المشترك. لكن يبدو أن البديل يخضع لميزان القوى في الصراع بين أطراف ثلاثة: الشباب الذين يحتلون الميدان، وأحزاب اللقاء المشترك، والسلطة (المدعومة أميركياً).
ربما كانت اليمن توضّح عمق الثورات العربية، حيث إن الشعب يريد إسقاط النظام، لكن غياب القوى الفاعلة فرض عملية الالتفاف من قبل فئات في السلطة، كانت قيادة الجيش هي رأس حربتها، وهو الأمر الذي أوهم في مصر بأن الجيش يحقق أهداف الثورة. في اليمن لم يعد ممكناً الإيهام، ولا يبدو أن عملية الالتفاف باتت ممكنة. فالشباب مصممون على أن يفرضوا الإيقاع الذي يرون أنه يوصل الثورة إلى نهايتها، ويفرض الشعب السلطة البديلة التي تدير المرحلة الانتقالية. هذا ما يزال يحاوله الشباب في تونس، وما عاد إليه الشباب في مصر. فالشعب يريد إسقاط النظام وليس تغيير الوجوه، أو تغيير الطابع الاستبدادي للسلطة من أجل فرض دولة ديمقراطية فقط، بل يريد تغيير النظام السياسي الاقتصادي كله.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى