أفكار ومواقفرأي اقتصادي

الثورة الرقمية والصناعة المصرفية الإسلامية

غسان الطالب*

شهد العالم ثورة رقمية غيرت أسلوب حياتنا وسلوكنا الاجتماعي كما نشاهده اليوم من فضاء الإنترنت وما تحويه من كم هائل من المعلومات، والثورة التي أحدثتها في قطاع الاتصالات إلى شبكات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية وما إلى ذلك.
أما في عالم الاقتصاد والإنتاج، فعالمنا اليوم يوشك على أن يشهد ثورة في التكنولوجيا الرقمية ستذهب بنا بعيدا عن الواقع الذي نعيشه اليوم، خاصة في قطاع المؤسسات المالية والبنوك وما تحمله هذه الثورة الجديدة في عالم التكنولوجيا من تقنيات وابتكارات هائلة.
وأكبر مثال على ذلك هو في تقنية “بلوك شين” التي تسمح بإصدار العملة الرقمية؛ إذ تتمتع هذه التقنية بالقدرة على إحداث ثورة في المجالين الاقتصادي والإداري، فضلا عن المجال العلمي، بشكل يفوق التغيير الذي أحدثته الإنترنت خلال العقود
الماضية.
ففي واقع الحال، فإن الكثير من الناس يعتقدون أن هذه التقنية “بلوك شين” مجالها مختصر فقط في مجال العملات الرقمية، لكن في حقيقة الأمر هذه التقنية هي أبعد بكثير مما يتصورون فربما ستكون في المستقبل القريب هي البديل للشبكة العنكبوتية الانترنت.
وتمتاز تقنية “بلوك شين” بكونها منصة لامركزية يمكن الاعتماد عليها في حفظ البيانات وحمايتها للعديد من القطاعات الاقتصادية، وخاصة منها المالية والمصرفية، إضافة الى الدور الذي يمكن لها أن تؤديه في عمليات المحاسبة والتدقيق وفي الحوكمة المؤتمتة كما ستوظف هذه التقنية في تحليل البيانات في القطاعات الاقتصادية والإنتاجة المختلفة لتطوير أدائها.
وتحاول الشركات عامة في قطاع الأعمال اللجوء الى تقنية “بلوك شين” للمحافظة على بياناتها وسجلاتها لما تتمتع به هذه التقنية من اللامركزية في تخزين البيانات؛ إذ من الصعب أو شبه المستحيل اختراقها، في الوقت الذي كانت فيه العديد من منظمات الأعمال عرضة للاختراق والتجسس على بياناتها مع وجود شبكة الإنترنت.
إن تقنية “بلوك شين” ستتيح للمستخدمين سواء كانوا أفرادا أو شركات نقل الأموال بشكل آمن، وستتيح للأفراد من أنحاء العالم كافة الاستقلالية التامة عن مركزية الدولة والتحكم الذاتي في بياناتهم وتنفيذ مدفوعاتهم بدون الاعتماد على النظام البنكي من خلال العملة الرقمية المعروفة بالـ”بتكوين”.
وللتوضيح، فإن البتكوين هي عملة إلكترونية وهمية ليس لها وجود مادي، ورقي أو معدني بل تعتمد بشكل أساسي على مبادئ التشفير، ولا تصدر عن سلطة نقدية أو بنك مركزي معين مما يعني عدم وجود أي جهة رقابية أو إشرافية عليها، كما أنها لا تمتلك رقما متسلسلا ولا أي وسيلة أخرى كانت من أي نوع تتيح تتبع ما أنفق للوصول إلى البائع أو المشتري، ظهرت في مطلع العام 2009 ويتم استخدامها فقط عبر شبكة الإنترنت لتسوية المشتريات أو تحويل العملات.
فعلى الرغم من عدم وضوح الرؤية في التعامل بها، إلا أن بعض المحللين يرون أن لها مميزات عدة نذكر منها ميزة السرية؛ حيث لها خصوصيتها ولا يمكن لأحد أن يطلع عليها وهي خارج سيطرة السلطة النقدية وأدوات الرقابة المصرفية، ثم ميزة العالمية بما يعني ليس لها وطن أو هوية معينة ولا تحدها حدود يمكن التعامل بها في أي مكان في العالم، إضافة الى أن إصدارها غير مُكلف كما هي النقود الورقية أو المعدنية، وعدم الحاجة للوسطاء في التعامل فهي تنقل مباشرة بين البائع
والمشتري.
أما بخصوص التساؤل أين مصارفنا الإسلامية من تقنية “بلوك شين” والتعامل مع هذه الظاهرة الاقتصادية التي مما لا شك فيه ستغير الكثير من ملامح حياتنا الاقتصادية وكذلك الاجتماعية، فمصارفنا الإسلامية لا يمكنها أن تقف وقفة المتفرج بل لا بد لها أن تتقدم مع كل ابتكار وتقدم علمي وتكنولوجي يضيف لها مساحة جديدة في الأسواق المالية العالمية.
مع ذلك فلا بد من العودة لأحكام الشريعة الإسلامية، فمرجعيتنا في ذلك الكتاب والسنة، لكن هذا لا يعفي الفقهاء والمشرعين في الصناعة المصرفية الإسلامية من الوقوف عند هذه الظاهرة لبيان الغموض فيها وما هو مستقبلها ثم إجراء البحوث والدراسات التي تنير لنا الطريق دائما نحو التطور والإبداع.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock