فكر وأديان

الثورة الشيوعية (1917) وتحرير المرأة: تاريخ مظلم ومستقبل مهلك

أسامة شحادة

كانت أحوال المرأة في روسيا سيئة أيضاً كحال المرأة في أوروبا، حيث كانت تعتبر من ضمن مقتنيات الرجل/الزوج، وكانت تعاني كثيراً من ضعف الرعاية الصحية والحرمان من التعليم، وعلى صعيد العمل فقد كانت تعاني من نفس الظروف البئيسة للعاملات في أوروبا، إذ لا حدود لساعات العمل وبرواتب أقل من رواتب العمال الذكور، ولا يحصلن على إجازات مرضية ولا ضمان صحي، وفي حالة الحمل كُن يطردن من العمل، إذ كانت الدعارة منتشرة بين العمال والعاملات.
وعلى غرار ما حدث للمرأة في أوروبا في الحرب العالمية الأولى فقد استدرجت المرأة الروسية لتحل محل مئات الألوف من العمال الذكور الذين تم شحنهم لجبهات الحرب، وأضحت عليهن مسؤولية إدامة الصناعات، وخاصة الصناعات الحربية، فضلا عن مشاركتها في التمريض وبعض المهام الحربية بالإضافة لمسؤولية رعاية البيت وتوفير مستلزماته عبر الوقوف الطويل في طوابير الخبز وما شابه، ثم تم الاستغناء عن كثير منهن بعد الحرب.
هذه الظروف السيئة للمرأة الروسية دعت بعض النساء من الطبقة العاملة للمطالبة بإنصاف المرأة ورفع المظالم عنها، كالمطالبة باحترام المرأة وتقديرها وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية لها وتحسين ظروف العمل التي تنخرط فيها، أما بعض النساء من الطبقة المتوسطة والعليا فكانت ترتكز مطالبهن على الحقوق السياسية.
في تلك المرحلة كان كارل ماركس (توفي 1883م) في لندن ينتقد الرأسمالية وكيف أنها تحقق أرباحا فاحشة عبر استغلال عمل النساء والأطفال دون مراعاة لظروفهم وأحوالهم، إذ كانت نظرة أصحاب المصانع للنساء والأطفال باعتبارهم “جيشا احتياطيا” ومصدرا رخيصا للأيدي العاملة يمكن استدعاؤه متى لزم والاستغناء عنه بسهولة.
وأكمل إنجلز (توفي 1895م) مهمة ماركس بنقد مفهوم الزواج من منظور طبقي ماركسي حيث اعتبر قيام الزوجة بواجباتها الأسرية دون أجر مادي يجعل منها “خادمة رئيسة” ويُخرجها من دائرة الإنتاج، وبذلك أوجد حالة تعارض بين قيام المرأة بواجباتها الأسرية بما لا يمكّنها من المشاركة في الكسب والإنتاج، وبذاك تبقى مقيدة وغير حرة! بينما الواقع يقول إن تطبيق الرؤية الإسلامية بمراعاة ظروف المرأة وعملها في قطاعات مناسبة لها يجعلها تجمع بين الأمرين بسهولة ويُسْر ويجنّبها كل سلبيات واقع عمل المرأة في النظامين الرأسمالى والشيوعي.
ومعلوم أنه برغم كل تنظير ماركس وإنجلز لثورة شيوعية في بلد رأسمالي صناعي إلا أن الثورة الشيوعية قامت في بلد إقطاعي زراعي، وهي روسيا، سنة 1917! وهنا بدأ لينين يطبق نظريات كارل ماركس وإنجلز ما تطور منها لدى القيادات الشيوعية، وسنركز حديثنا عمّا يخص قضية تحرير المرأة بحسب الفكر الشيوعي والماركسي.
وكما أن الثورة قامت في بلد لم يكن في حسبان النظرية الماركسية فإن تنظيرات النسويات الماركسيات القائمة على التحرر الجنسي تم جلبها واستيرادها وتطبيقها قصراً واستبداداً باسم نشر الحرية ومحاربة الطغيان!
فمثلاً النسوية الشيوعية الروسية ألكساندرا كولنتاي والتي كانت أول وزيرة في العالم ضمن حكومة لينين الأولى والتي كانت ضد مفهوم الزواج ونسبت لها “نظرية كأس الماء” والتي تعني أن إشباع الرغبة الجنسية في المجتمع الشيوعي هو أمر يسير وتافه “كشرب كأس من الماء”!!
أما إينيسّا آرمان الشيوعية والنسوية الفرنسية وعشيقة لينين فقد صكّت العبارة الشهيرة: “إذا كان لا يمكننا تصوّر أنّ تحرّر المرأة يتمّ بدون الشيوعيّة، إذاً فلا يمكننا أن نتصوّر أن الشيوعيّة سوف تتحقّق بدون تحرّر المرأة”، وطبعاً تقصد بتحرر المرأة التحرر الجنسي أولاً!
أما الشيوعيّة الألمانيّة كلارا زتكن فكانت تعتقد أن الزواج من صور وأشكال المِلكيّة الفرديّة والنّظام الاجتماعيّ البرجوازيّ الذي يشهد حالة انهيار بسبب الثورة الشيوعية.
وقد انعكست هذه الأفكار والتنظيرات في القوانين التي أقرتها حكومة الثورة الشيوعية، فلم تمضِ عدة شهور على الثورة الشيوعية حتى تم إدخال تعديلات جذرية على القوانين بخصوص النساء، فتم رفع بعض المظالم عن المرأة بخصوص ظروف العمل، كما تم تبديل مفاهيم العلاقات بين الرجال والنساء بشكل تام عبر قانون الأسرة:

  • ألغيت القوانين التي تنظم شؤون الزواج والأسرة واستبدل الزواج الديني بالزواج المدني أو بإقرار الزنا القائم بين الرجال والنساء! وأعطي الزناة/ الشركاء حقوقا متساوية. وكان بعض غلاة الشيوعيين يعتبر استمرار قبول مفهوم الزواج المدني (تخصيص علاقة بين رجل وامرأة) من بقايا البرجوازية وينافي الشيوعية والملكية العامة!
  • لم يعد للآباء والأزواج سلطة على زوجاتهم أو بناتهم!
  • أصبح الطلاق متاحا للرجال والنساء وبدون مسوغات!
  • ألغي مفهوم الأبناء غير الشرعيين إذا لم تتمكن المرأة من تحديد والد الطفل.
  • أصبحت الدولة مسؤولة عن تنشئة الأطفال ولذلك مُنع التبني الفردي.
  • وفي العام 1920 كانت روسيا أول بلد في العالم يمنح حق الإجهاض.
  • ألغي تجريم المثلية وتمتع الشواذ من الرجال والنساء في ظل الثورة الشيوعية بالتقدير والاحترام، وتولى عدد من الشاذات مناصب قيادية في الجيش.
    هذه القرارات كانت نابعة من رؤية شيوعية واضحة قائمة على إرادة تحطيم مفهوم الزواج باعتباره يتعارض مع مبدأ المِلكية العامة ويقوم على الاستعباد البرجوازي للنساء! ومن بقايا الاستبداد القيصري! وترسيخاً لهذه الرؤية تم إصدار بيان تحرير النساء في آذار/مارس 1918 جاء فيه أن “كل فتاة تبلغ الثامنة عشر من العمر تصبح ملكاً للجمهورية، ويجب تسجيلها لدى لجنة الحب الحرّ”! حيث كانت تقوم على العلاقات الجنسية العابرة والتي تتعين عبر القرعة التي لا يمكن الاعتراض عليها!
    وبتعبير لينين: “إننا لم نُبقِ، بالمعنى الحرفي للكلمة، أي حجر على حجر من القوانين الحقيرة التي وضعت النساء في حالة أدنى بالمقارنة مع الرجل”.
    كان مفهوم تحرير النّساء عند هؤلاء المنظرين الشيوعيين يتشكل من ثالوث (الحريّة والعمل والحبّ)، بحيث يتاح للمرأة حرية العمل فيما تشاء وحرية الحب مع من تشاء، ثم لا تتقيد بنتاج الحب من أطفال ورعاية! إذ ستتكفل الدولة الشيوعية بذلك.
    ولتحقيق مشاعية العلاقات الجنسية وتحطيم مفهوم الأسرة كتب تروتسكي مقاله “من العائلة القديمة إلى العائلة الجديدة” في جريدة البرافدا، فقال: “يجب على الدولة العمالية أن تصبح أغنى لكي يصير من الممكن بشكل جدي معالجة مسألة التعليم العمومي للأطفال وتخليص الأسرة من أعباء المطبخ والغسيل، من المستحيل تشريك العمل البيتي الأسري وتعميم التعليم العمومي على الأطفال دون تحسن واضح لاقتصادنا ككل، نحن في حاجة إلى المزيد من الإجراءات الاقتصادية الاشتراكية. لن يمكننا، إلا في ظل تلك الشروط، أن نحرر الأسرة من الأعمال والاهتمامات التي تسحقها الآن وتفككها. يجب أن تنجز مهمة غسل الملابس في مؤسسات غسل ملابس عمومية، وأن تنجز مهمة تحضير الطعام من طرف مطاعم عمومية وأن تنجز مهمة الخياطة من طرف ورشات عمومية. يجب أن يتعلم الأطفال على يد معلمين عموميين جيدين يتمتعون بالكفاءة للقيام بهذا العمل. عندها ستصبح العلاقة بين الزوج والزوجة متحررة من كل العوامل الخارجية والعرضية، وسيتوقف أحدهما عن امتصاص حياة الآخر.
    عندها أخيرا سيتم تشييد صرح المساواة الحقيقية. ستكون العلاقة مبنية على قاعدة الحب المتبادل”، وهذا في الحقيقة تحويل المجتمع برمّته ليكون مصنعا أو معسكرا كبيرا!
    لكن هذه الرؤية الشيوعية سواء تعزيز الإباحية المنفلتة في المجتمع أو في البناء الاشتراكي والاقتصادي للدولة رؤية كارثية وغير واقعية، ولذلك عارضها بعض الشخصيات الشيوعية مثل المناضلة الروسية فيرا زاشولتش والثوريّة الألمانيّة روزا لوكسمبرغ، وثم فشلت في التطبيق فلا عموم المجتمع الروسي تقبلها، ولا الحلم الاقتصادي تحقق على أرض الواقع، بل نتج عنها نتائج خطيرة مما حدا بستالين بعد عدة سنوات لإلغاء كثير من هذه القرارات حفاظاً على كيان الدولة.
    لم يمر على تنفيذ هذه القرارات سنتان حتى تبيّن لكثيرين من قادة الحزب الشيوعي في نهاية العام 1920 أن إطلاق الحرية الجنسية وإباحة الإجهاض سوف تزعزع قوة الدولة، من خلال انخفاض معدّلات الخصوبة والولادة، الذي سينعكس مستقبلاً على عدم توفر مواطنين كفاية وأكفاء لحاجات النمو الاقتصادي والحماية العسكرية، كما هو الحال اليوم في أوروبا القارة العجوز التي تفتح أبواب الهجرة للكفاءات لتعوض نقص كفاية أبنائها في القيام بشؤون بقائها حية.
    ومع تفاقم سلبية نتائج هذه الرؤية الشيوعية الكارثية للتحرير الجنسي ألغى ستالين معظم القوانين والمراسيم المتعلّقة بالأسرة سنة 1936 مما ما يزال يوصف في الأدبيات الشيوعية: السياسة والردة الرجعية الستالينية!
    قام ستالين بمنع الإجهاض، وقيّد حرية الطلاق بإجرائه عبر المحاكم بكلفة باهظة، وحارب الدعارة والشذوذ، وأضاف لتعليم الفتيات في المدارس دروسا تخص قيامهن بدورهن كزوجات وربات بيوت وأمهات.
    بالطبع هذه السياسة الستالينية لم تعجب تروتسكي الذي كتب منتقداً سنة 1938: “البيروقراطية، الموجهة بغريزتها المحافظة، بدأت تدق جرس الإنذار بخصوص (تفكك الأسرة)، لقد بدأت تكيل المديح للعشاء العائلي وللغسيل العائلي، أي للاستعباد المنزلي للنساء. ولتتويج كل هذا، أعادت البيروقراطية تطبيق العقاب الإجرامي ضد الإجهاض، الشيء الذي يعني رسميا إعادة النساء إلى حالة حيوانات للحمل. وهكذا أعادت الطغمة الحاكمة، في تناقض كلي مع أبجدية الشيوعية، نواة المجتمع الطبقي الأكثر رجعية وظلامية، أي الأسرة البرجوازية”. وعقب موت ستالين سنة 1953 أعيدت بعض الأمور كإباحة الإجهاض.
    وفي ختام هذه الرحلة الطويلة والمرة للتحرير الجنسي للمرأة في الثورة الشيوعية لابد أن ننتبه إلى أن تلك التجربة الفاشلة والمدمرة -حتى بمعايير ستالين- هي نفس التجربة الظلامية التي تساق إليها مجتمعاتنا الإسلامية اليوم عبر المواثيق الدولية لحقوق المرأة والطفل، وعلى رأسها اتفاقية (سيداو)، التي هي -في حقيقتها- وكما تصرح النسويات المعاصرات امتداد لأفكار النسوية الشيوعية الروسية ألكساندرا كولنتاي صاحبة “نظرية كأس الماء” وعودة لتراث السياسات الجنسانية للشيوعية الراديكالية في مراحلها الأولى!
    وأخيراً؛ كما كانت تلك التجربة قبل قرن مظلمة وبائسة فإن تكرار التجربة اليوم سيصل لنفس النتيجة بل لوضع أسوأ حيث رأينا كيف استشرت الأمراض الجنسية الفتاكة في حاضرنا بما لم يحدث سابقاً، ولا يمكن أن نتوقع ما هي الفجائع الرهيبة التي تنتظرنا وراء الإصرار على عصيان سنن الله عز وجل الشرعية والكونية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock