أفكار ومواقف

الجائحة والتعليم: تحديات الإنفاق والتهميش والتسرب

واحد من الأسباب المهمة التي أدت إلى نهضة تعليمية شاملة على مدار عقود طويلة في الأردن، جاء من باب التشريعات التي عالجت الكثير من القضايا المتصلة بعملية التعليم، خصوصا ما يتعلق بشموليته ومجانيته وإلزاميته. ورغم كون الأردن كان بلدا فتيا وقتها، إلا أنه استطاع أن يحقق هذه المعادلة.
وبعيدا عن مظاهر الضعف التي أصابت عملية التعليم خلال العقدين الأخيرين، إلا أننا نستطيع القول إن جائحة كورونا اليوم أدت إلى اضطراب نظامه بشكل كامل، ليس على المستوى الوطني فحسب، بل على مستوى العالم كله، فقد أثرت الجائحة في زهاء 1.6 مليار متعلم حول العالم، فيما أثر إغلاق المدارس في 94 % من الطلبة ، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 99 % في البلدان منخفضة الدخل، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، وفق مسوحات الأمم المتحدة.
هذه الأرقام تظهر بوضوح أننا مقبلون على مواجهة خطر يتعدى مفهوم اضطراب التعليم، وهو توسع فجوة التعليم. بالتأكيد الفجوة كانت موجودة في الأصل، لكنها اليوم سوف تأخذ بالاتساع، أولا بين دول الشمال ودول الجنوب، وثانيا في الإقليم نفسه بين الدول الغنية القادرة على رفع موازنات الإنفاق على التعليم وإيصاله بعدالة نسبية إلى مواطنيها، والدول الفقيرة التي تعتمد في الأصل على المساعدات والمنح التي ستنخفض بالضرورة تبعا للانكماش الاقتصادي الذي يتهدد المنظومة الاقتصادية العالمية بسبب جائحة كورونا. وثالثا، في البلد نفسه وفقا للطبقات والبيئات والمجتمعات القادرة، وما يقابلها من طبقات فقيرة ومهمشة.
واحد من السيناريوهات الأكثر سوءا، والتي تتخوف المنظمات الدولية من أن يتحقق، هو أن تتحول الجائحة وما رافقها من صعوبات اقتصادية ضغطت بشدة على إيرادات الدول وموازناتها وبالتالي ألقت بظلالها على المواطنين، إلى ظرف موات لارتفاع ظاهرة التسرب من التعليم، خصوصا لدى الفئات المهمشة، كما تعبر عن ذلك صراحة تقارير الأمم المتحدة حول تأثيرات الجائحة في عملية التعليم ككل.
في جانب آخر من التخوفات، هناك خشية حقيقية من أن لا تستطيع الدول مواكبة الإنفاق على التعليم في ظل تحديات اقتصادية تتفاقم بشكل يومي. القدرة على زيادة الإنفاق على التعليم، أو استقرار معدلاته، سيمثل حجر الزاوية في محافظة الدول على نظام تعليمي عادل يضع الطبقات الفقيرة في المعادلة الأساسية للتعليم، ويحافظ على بقاء فرصها فيه.
الأمر الآخر المهم، هو أننا حين نتناول واقع التعليم وتأثره الكبير بالجائحة، نلاحظ بشكل دائم أن الحديث يكاد ينحصر في طلبة المدارس، بينما ننسى في غالبية الأوقات تأثير الجائحة على طلبة الجامعات، الذين بدأ بعضهم بالتفكير بالتخلي عن دراسته والاتجاه إلى سوق العمل المتخمة في الأصل بعد أن وصلت البطالة نسبة غير مسبوقة بتسجيلها 23 % من الأيدي العاملة، فيما آخرون اتخذوا القرار فعليا، وتركوا دراستهم الجامعية نتيجة الضغط الهائل على مداخيل الأسر بسبب الجائحة، وما رافقها من إجراءات.
في محاولة استشراف الأمور حول التعليم اليوم، يتضح أن طلبة الجامعات من الطبقات الفقيرة هم أكثر هشاشة من طلبة المدارس، خصوصا أننا ما نزال نتلقى تعليما مدرسيا مدعوما حكوميا، فيما التعليم الجامعي مكلف، حتى ذلك المدعوم بحسب قائمة القبول الموحد.
من هنا سيتضح أن طلبة الجامعات الذين تأثرت مداخيل أسرهم بالجائحة، سيواجهون سؤال القدرة على الاستمرار بالدراسة في ظل مثل هذه الظروف. بالتأكيد نحن لا نتحدث هنا عن «تسرب» بمعناه الكلاسيكي الذي أدى في الغالب إلى أمية قرائية وكتابية لدى تلك الفئة، بل عن تسرب آخر لا يقل تأثيرا وخطرا، فهو يمنع مواصلة التعليم الجامعي، ويزيد من الفجوة بين الطبقات، ويؤثر بشكل عميق في حراكية المجتمع.
بالنظر إلى جميع ما يحيط بعملية التعليم من تحديات كبيرة، ينبغي لنا أن نتجرأ على طرح سؤال مهم: هل نعيش اليوم ردة خطيرة في التعليم قد تتسبب في خسارتنا جميع المكتسبات التي حققناها على مدار عقود؟
جواب هذا السؤال لا ينبغي أن يكون بالنفي أو بالإيجاب، بل من خلال وضع التحديات أمامنا، ومحاولة بناء استراتيجيات مدروسة تستقرئ المستقبل، وعلى أساسه نبني دفاعاتنا عن التعليم ومكتسباته التي ما نزال نفتخر بها، رغم مياه كثيرة مرت من الأسفل.

انتخابات 2020
20 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock