أفكار ومواقف

الجامعات الأردنية.. السردية الوطنية والمورد لاقتصادي

تستغرق العديد من النخب في دول عربية مختلفة في معاينة مفهوم السردية الذي أخذ يشكل موضة فكرية واسعة الانتشار، ولغايات التبسيط يسعى مفهوم السردية لتقصي الرواية التي يحكيها المجتمع عن نفسه، وينقلها من جيل إلى آخر، ونادراً ما تكون الرواية منتصبة على حقائق تاريخية صلبة، ويتصارع المجتمع على السرديات، ففي لبنان مثلاً تتواجه السردية الفينيقية التي ترى لبنان امتداداً لحضارة قديمة متميزة مع السردية العربية التي تنظر إلى البلاد بوصفها جزءاً من الأمة العربية، وتدخل على الخط سرديات أخرى مثل القومية السورية وما إلى ذلك، والأمر نفسه مع مصر الفرعونية في مواجهة مصر قلب الأمة العربية.
في الأردن لا تشكل السردية التاريخية عبئاً سوى على طيف من النخب التي تحاول أن تبحث عن الهوية في فصول تاريخية صاخبة وملتبسة، خاصة أن الأردن كانت محطة صراع وتنافس بين الحضارات القديمة، والأردنيون مثل غيرهم لم يمتلكوا وعياً بوجود حضارات قديمة مثل الأنباط إلا متأخراً نسبياً، ووفق ما قدمته روايات استشراقية في أساسها، وهذا أمر شائع في السرديات التاريخية.
في الوقت الذي كانت تبحث فيه الدول العربية عن ملاذات تاريخية بقي الأردن ينتمي إلى سردية مستقبلية متعلقة بالإنسان الأردني، الملتزم والمنضبط والناجح في عمله، وتشكلت هذه السردية تحديداً في دول الخليج العربي التي رأت في العاملين الأردنيين نموذجاً مختلفاً يلتحق بسوق العمل بعد حصوله على تعليم نوعي في مؤسسات وطنية كانت هي في حد ذاتها جزءاً نبيلاً من السردية الوطنية الكبرى، فتأسيس الجامعة الأردنية كان فصلاً لا يمكن تجاوزه بكل ما يحمله من جوانب عاطفية تمثلت في إصرار الملك الحسين على إنجازها وبناء سمعتها المرموقة.
أنتجت هذه السردية الوطنية تصورات ذهنية حول الأردنيين، منها مثلاً أنهم غير ميالين للمزاح ويعتبرون شعباً ثقيل الظل، وتشبه هذه التصورات ما يلقاه البريطانيون من دول القارة الأوروبية، والسبب هو الانضباط الذي ولدته مؤسسة الجيش العربي عند تأسيسها وفق التقاليد البريطانية مع الكثير من التشدد لترويض الروح الوثابة لدى الرعيل الأول من المنتسبين القادمين من البادية والريف في الأردن، وكان الأمر مفيداً للأردنيين بشكل عام لأنهم واجهوا مسؤولية الاشتباك مع البناء في مشروعات ضخمة وسباق الزمن لإنجازها، وبوصفي طالباً قضيت حياتي المدرسية في واحدة من الدول الخليجية فإنني لاحظت الفرق بين المدرس الأردني الصارم والذي يحتفظ بمسافة صحية مع طلبته والمدرسين من دول أخرى، حتى لو كنا نجد لديهم الاحتواء والتفهم، إلا أن المنتج التعليمي النهائي كان لمصلحة المعلم الأردني.
للأسف لم تعد الأمور كما كانت، فالنوعية التي أنتجتها مؤسسات التعليم الأردني لم تستطع أن تحافظ على هذه السردية الحية والملموسة، وأخذت دول الخليج العربي تقلص اعترافها بالجامعات الأردنية، وقبل أزمة الكوفيد 19 كانت الكويت وقطر تسحبان الاعتراف من معظم الجامعات في الأردن، وبدلاً من التوقف أمام عملية نقد ذاتي مطولة وواضحة لسبب هذه الانتكاسة التي تهدد أهم الصادرات لدى الأردن، وهي الإنسان الأردني، فإن العمل على تطوير الجامعات ما زال يخضع للمزاجيات والمغامرات والحسابات الضيقة، وكانت الوجبة الأخيرة من تعيينات رؤساء الجامعات تدلل على وجود مشكلات تتعلق بآلية اتخاذ القرار في ذلك، وشبهات استرضائية لتضع أسماءً جديدة بدلاً من أخرى لم تستكمل الفترة التي تسمح بأن تنجز أي شيء ذا قيمة، خصوصاً مع تزامن ذلك مع أزمة وباء الكورونا.
إذا كنا سنتفق على أهمية السردية الحية في الإنسان الأردني، وعلى دور الكفاءات الأردنية المهاجرة بصورة دائمة أو مؤقتة في الاقتصاد الوطني، فإنه من الضروري أن نفكر في المحافظة على الجامعات بوصفها أهم أدوات إنتاج هذه النخب الوطنية ليستعيد الكادر البشري الأردني سمعته الاستثنائية في المنطقة، فالجامعات مرتبطة بالإنتاج وبعجلة الاقتصاد الوطني وفي عصر كوني مفتوح تتقارب فيه المناهج ويسهل الوصول لها تبقى السمعة وجودة المنتج البشري عاملاً حاسماً في التنافس الإقليمي والدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock