أفكار ومواقف

الجاهة..بساطة التنظيم وتميز الأداء

إذا كنت في الأردن وعمرك ثلاثون عاما أو أكثر فلا بد أنك شاركت في جاهة أو أكثر، فالجاهة مظهر من مظاهر حياتنا الاجتماعية وتنظيم مرن يتدخل في ضبط حياتنا وأحداثها ويؤدي أدوارا إيجابية في التقريب والمصاهرة وفضّ النزاعات وإصلاح ذات البين وغيرها من الحوادث والعوارض والتهديدات التي يعايشها المجتمع وتؤثر على بنائه ووظائفه.
في بلادنا لا تحتاج لاكثر من بضع ساعات لتؤلف جاهة من مائة رجل أو اكثر، فالناس يلبون دعوة أصدقائهم ومعارفهم للانضمام للجاهات بلا تردد. في معظم الأحوال فإن رئاسة الجاهة وزعامتها لا تحتاج لمشاورات ولا تشكل موضوع خلاف، فالأعضاء يقبلون بأي رئيس يختاره المنظمون وغالبا ما يعرض من كلف برئاسة الجاهة شرف الحديث باسمها وقيادتها على بعض الأعضاء ممن يماثلونه في المكانة والقدرة والملاءمة.
أما في حالات الدم والعرض والنزاعات بالغة التعقيد فيجري اختيار الرئاسة من بين أعداد محدودة من الشيوخ الذين احترفوا التعامل مع مثل هذه القضايا وامتلكوا القدرة على التمهيد والإقناع والتأثير الذي يضيف إلى جاههم ومكانتهم وثقلهم ومصداقيتهم، وهم قلة هذه الأيام لكنهم يمارسون أدوارهم على امتداد مساحة البلاد وخارجها أحيانا.
من الناحية الوظيفية تعتبر الجاهة أقدر التنظيمات الاجتماعة على التدخل لتطويق الحوادث وأكثرها سرعة وكفاءة في الاستجابة لحاجة المجتمع للحماية والإصلاح والمحافظة والتجدد، فالجاهة تنظيم مفتوح تشارك فيه تشكيلات المجتمع المختلفة ويقودها أكثر الأفراد معرفة والتصاقا بالعادات والقيم والأعراف والتقاليد.
 وهي شبيهة باللجان المشكلة في المؤسسات الرسمية لإنجاز مهمات وأهداف محددة إلا أنها تتفوق في قدرتها وفعاليتها عليها لأسباب تتعلق بشرعيتها المستمدة من الناس وثقتهم بشخوصها واتساع قاعدة تمثيلها ومكانة زعاماتها؛ فهي تتحدث باسم المجتمع وتمتلك القدرة على التفسير وإعادة التعريف للواقع، كما أنها تملك مفاتيح تاريخ المجتمع المحلي وسلطة صناعته فتعمل على استدعاء الأحداث وتذكر الحضور بالحالات التي امتثل فيها الأطراف للأعراف، وتثني عليهم والحالات التي حاولوا الخروج عن القواعد وتلمح لإدانتهم، وبذلك تبدو الجاهة وكأنها فريق من فرق القياس والتقويم لمدى التزام مكونات المجتمع بمعاييره وأعرافه وتقاليده، الأمر الذي يكسبها القدرة على رأب الصدع وإصلاح ذات البين.
بالرغم من وجود ما يزيد على 80 % من سكان بلادنا في المناطق الحضرية وانتشار مراكز الأمن وأجهزة العدالة الجنائية فوق أرجاء الأرض الأردنية، إلا أن الجاهة لا تزال نظاما فعالا وناجحا وربما متفوقا على الإجراءات الرسمية في تطويق الأحداث ومحاصرتها؛ فقد أثبتت الجاهات أنها أفضل آلية شعبية للتصدي للأزمات وتطويقها، وقد ساعدها على ذلك حضورها ومرونتها وقدرتها على تقديم المساندة النفسية والدعم المعنوي للأطراف واستعدادها لتبني القرارات والالتزام بتنفيذها ومباركتها.
في السنوات الأخيرة وكنتيجة لاستمرار أدوار الجاهات في إدارة الحوادث والنزاعات والتقريب بين العائلات الراغبة في المصاهرة، دخلت على النظام التقليدي للجاهة تطورات شملت خروجها عن أطرها المحلية كأن تنعقد الجاهات في صالات الفنادق أو في قاعات خارج جغرافية المجتمع المعني بالحدث أو إقامة خيم وسراديق في الساحات العامة، إضافة إلى إسناد رئاسة الجاهة والحديث باسمها إلى شخصيات غير تقليدية وعلى غير معرفة بالتقاليد. وقد طال هذا التحول الجاهات الخاصة بالأفراح  بشكل خاص في حين ما تزال جاهات النزاعات والجرائم الكبرى تدار بطرق قريبة من النمط التقليدي لإدارتها.
النجاح الذي تحققه الجاهات في مهامها وإقبال المجتمع على اللجوء إليها وثقته بقدرتها على المعالجة والبت في القضايا أمر يثير الإعجاب ويدعونا جميعا لتطوير قضائنا مستفيدين من تجربة مجتمعنا التي تجاوز عمرها آلاف السنين وما تزال مهمة في تحقيق العدالة وإرضاء الأطراف ومناصرة الظالم والمظلوم من أجل إعادة التوازن للمجتمع في أعقاب كل حادثة أو جريمة أو تهديد.

تعليق واحد

  1. جاهات الشرق وقوانين الغرب واخلاق الاسلام
    جئت أخيرا من زيارة للولايات المتحدة والمانيا الاتحادية ( كلهم متحدون الا نحن ) .
    رأيت هناك احترام القانون والحرية يحفظها القانون ونحن هنا نقرأ عن الجاهات .
    ما نريد هو ان نكون في اخلاقنا كمثل من خاطبه رب العباد بانه على خلق عظيم ومن كانت اخلاقه القرآن عليه الصلاة والسلام .

  2. ما مخرب بيتنا الا الجاهات وما شابهها
    للأسف يا استاذ، ما مخرب بيتنا الا الجاهات وما شابهها من عادات وممارسات قبلية بالية…

    ارجو منك ومن من هم في مقامك من كتاب وقيادات ان يكونوا اكثر واقعية …، فهم الدافع والمؤثر لنخرج من الظلمات الى النور…

انتخابات 2020
26 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock