أفكار ومواقف

الجبر القانوني

انتهت امتحانات الثانوية العامة “التوجيهي”، بعد إجراءات غير مسبوقة في محاولة لإعادة هيبة الامتحان. ورغم الحوادث المؤسفة، والمقاومة الظلامية لإنفاذ القانون في واحدة من أكثر الأشكال المخجلة لاختراق النظام العام، إلا أن خطوة مهمة تحققت، أثبتت أن الدولة قادرة، إذا ما توفرت الإرادة لإنفاذ القانون. بعد ذلك، وبمناسبة ومن دون مناسبة، بدأت الحكومة خطوات على طريق إنفاذ قانون الصحة العامة الذي مر عليه زمن من دون أن يلتفت إليه أحد. وقد بدأت بإجراءات لمنع التدخين في الأماكن العامة، ثم قصة مقاهي النرجيلة المعروفة.
كل هذا ما يزال في دائرة جس النبض، ومحاولات اختبار ردود الأفعال وحدود الإمكانات. لا يمكن الجزم أننا أصبحنا على مسار استعادة الكفاءة العامة للدولة، والتي عادة ما يشار إليها تحت عنوان “هيبة الدولة”، إلا باستعادة دور القانون ونفاذه على الجميع، وفي جميع المجالات، بعيدا عن الانتقائية والموسمية.
هناك فكرة مهمة يجب الانتباه إليها، مفادها أنه في بداية نشأة الكيانات السياسية، وفي مراحل الانتقال التي تعقب حالات الفوضى والفلتان، وفي حالات الاسترخاء التي تضرب مفاصل حساسة في الدولة؛ تحتاج السلطات الثلاث إلى تكاتف خلف فكرة الجبر القانوني؛ أي ما قد يصل حد التطرف في الالتزام  بتطبيق القانون من دون هوادة، لا كي يستعيد القانون مكانته وحضوره وحسب، بل ولفرض ثقافة الحق والشرعية والعدل وتكافؤ الفرص على سلوك الأفراد والجماعات، وفي حياتهم اليومية، وبحيث تتحول القواعد القانونية إلى جزء من السلوك اليومي للناس؛ أي إلى تقاليد لها قوة معنوية كبيرة، قادرة على الاستمرار حتى لو نسي الناس القانون.
وهناك  العديد من الأمثلة على أهمية فكرة الجبر القانوني في مسار بناء الدولة، وكيف تحولت القواعد القانونية إلى تراث، بعدما أصبحت جزءا من الثقافة اليومية التي يتنفسها الناس.
هناك حنين لهيبة القانون والنظام العام، يزداد حضوره بقوة جارفة وسط العامة، بعدما تيقنت الأغلبية أن تراجع مكانة الدولة والقانون يضرب مصالح هذه الأغلبية في العمق، ويخدم مصالح أقلية بالفساد والاستقواء، بعدما أصبح الصوت العالي هو الصوت المسموع في أركان الدولة، والاستقواء منهج متبع في تحقيق المصالح، فيما اهتزت مكانة وصورة من يقوم على تطبيق القانون. ونسمع يوميا أخبارا وقصصا يرويها الناس بحسرة، كلها تصب في تراجع مكانة الدولة وهيبتها.
كيف تراجعت هيبة الدولة إلى هذا المستوى؟ ليس صحيحا أن “الربيع العربي” هو الأساس في ذلك؛ بل ثمة مؤشرات أقدم من ذلك، تدلل على وجود تربة صالحة لزراعة بذور الاستقواء على المؤسسة العامة وعلى القانون، منذ خرج أناس ضد آخرين وأرادوا معاقبتهم بعيدا عن الدولة والقانون؛ وهو ما كنا نسميه العنف المجتمعي، منذ صيف العام 2009. فيما جاء التعريف الرسمي الأردني للربيع العربي ليزيد الأمور تفاقما؛ ذلك التعريف الذي طالما برر استرخاء هياكل الدولة، وترهل الإدارات الحكومية، تحت عنوان “الربيع العربي”، الأمر الذي وصل إلى إعلان بعض الإدارات الحكومية بأن لديها تعليمات رسمية بتمرير المرحلة. وهذا ما يتفق مع اتجاه تحليلي ذهب إلى أن ثمة القليل من الفوضى مخطط له، ومطلوب.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. وإذا لم يقتنعوا….
    …… ومع ان الأستاذ الكاتب لم يذكر اسباب هذا الإستقواء على الدولة والأنظمة الموضوعة ،إلا ان في جعبة الواقع ما يمكن الكشف عنه في غاية من الصراحة والوضوح .
    هذا الشعب الذي عاش منذ تأسيس الدولة وهو عالة عليها بمطلق وعامة حاجاته وأغراضها ، ليس من السهل وقد تعاظمت طلباته وقل ريع هذه الدولة ان يرضى بهذا الشح المفاجئ الذي أصابه وبخاصة في السنوات الخمس الماضية .
    يكاد يكون كل الأردنيون يعتاشون على الدخول التي تدفع لهم من ميزانية الدولة على شكل رواتب في القطاع المدني او العسكري ، ولما جاء الوقت ليتقاعد جل أعدادهم الكبيرة عن العمل جن جنونهم ، وتحولوا الى سياسيين ومنظرين وناقدين وحتى ناقدين للأوضاع في كل الظرووف .
    لا يفيد الصمت . والإقناع في هذا أفضل بكثير من العنف او التعنيف
    يجب ان نشاركهم على المستوى الشعبي في شرح الواقع ومخرجاته ليتفهموا الحقيقة الصادقة من غير لف وتدوير ، وإذا لم يقتنعوا نفعل جبرية القانون التي ذكرها الأستاذ الكاتب .

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock