أفكار ومواقف

الجدل حول التسوية السياسية: نقطة نظام

يتحول الجدل -كما في كل قضايا المجال العام- حول صفقة القرن ومؤتمر البحرين والتسوية السياسية بعامة إلى انقسام عميق ينشئ كتلتين لا مجال بينهما للاختلاف والجدل، ولا فرصة لحسم المسألة إلا بأن يلغي أحدهما الآخر!
ربما تكون التسوية السياسية للصراع العربي والفلسطيني – الإسرائيلي والأزمة الناشئة عن هذا الصراع على مدى أكثر من قرن من الزمان خطأ أو صوابا. وبطبيعة الحال ربما يكون التأييد أو المعارضة خطأ أو صوابا. لكن الفكرة الأساسية في الجدل حول التسوية وما يتعلق بها هي الانتقال من مربع الايمان والكفر، والحلال والحرام، والخيانة والوطنية؛ إلى الخطأ والصواب، والقوة والضعف، والفرص والتحديات.
حتى الايديولوجيون الذين يُنشئون فهمهم للقضايا والأحداث بناء على تصورات واعتقادات دينية أو قومية أو ثقافية يجب ان يصوغوا رؤيتهم ومواقفهم في اطار عقلاني قائم على الصواب والخطأ. والنفع والضرر، والنفع الأكبر والنفع الأصغر، والضرر الأكثر والضرر الأقل، لأن الجدل العام يعني بالضرورة أطرافا لا يستغني أحدها عن الآخر، وأن هذه الأطراف المتعددة تحاول أن ترجح اتجاها من بين الاتجاهات المختلفة والمتجادل حولها أو وربما ينشئ الجدل اتجاها جديدا!
وإذا لم ينتقل الجدل من أسر الايمان والوطنية أو الكفر والخيانة إلى فضاء عقلاني فلا معنى للاختلاف والجدل، ولا الديمقراطية والانتخاب، ولا التعددية والتنوع، لا يبقى الا “فسطاطان” لا يلتقيان أبدا ولا تصور للعلاقة بينهما الا ان يخفي أحدهما الآخر. وحتى لو كان هذا التصور المفاصل صوابا فإنه لا يمكن حسمه. وسوف يتحول إلى صراع أبدي يستمر مثل غيره من الصراعات والاختلافات التي حولت من سياسية إلى عقائدية قرونا طويلة، إن المفاصلة النهائية بين المواقف والاتجاهات ليست سوى فشل!
وقد أضافت الإخوان المسلمون أمس إلى الجدل بعدا دراميا آخر وهم يدعون مؤيديهم وأنصارهم أن يحملوا سجادات الصلاة ويحضروا لأداء صلاة العشاء والتراويح أمام السفارة الأميركية! إننا بذلك ندفع الجدل السياسي ومحاولة التأثير فيه إلى طقوس ورموز تعقد المجال العام، وتمضي به إلى الكراهية والصراع الديني العميق؛ مذكرين بالحروب الصليبية ورفع المصاحف على الرماح وقصص وأحداث تاريخية لم تُنسَ بعد ولا توقفت متوالياتها منذ مئات السنين، وبدلا من أن نشكل تجمعاتنا وأفكارنا حول قضايا عملية نحدد فيها المكاسب والأولويات فإننا نمضي إلى الغيبوبة والانسداد،.. لا فرق بين ما يجري سلميا وبين ما يفعله داعش بالعنف!
القيادات والنخب والجماعات السياسية والاجتماعية تعكس في تأثيرها وحراكها مصالح وطبقات وأولويات ومطالب اجتماعية واقتصادية، وتحاول ان تؤثر في السياسة بهذا الاتجاه، وتجعلها أيضا قابلة للتسوية والتفاوض وتبادل التأثير والمنافع، هذه هي السياسة ببساطة ووضوح، ولسنا نخوض غزوة الأحزاب ولا معركة حطين، وليس الخلاف والصراع أيضا بين المؤمنين والكفار.
هؤلاء الذين لم يحركهم الجوع والفقر والظلم والتهميش أو يدفعهم للعمل والتأثير في السياسة والتشريعات وإدارة الموارد العامة وإنفاقها، يحركهم اليوم إعادة تشكيل المقدس والرموز والمعاني الدينية نحو التأزيم والانقسام الاجتماعي العميق. لكن يجب أن تتساءل الجماعات الدينية المشتغلة بالسياسة؛ ماذا سيفعل المرضى والفقراء والمحرومون والمستضعفون في إدارة مواجهة عميقة ومعقدة تحتاج ببساطة إلى تقدم بل وتفوق اقتصادي واجتماعي وتعليمي؟ وما حاجة البلاد والأوطان إلى أثرياء ونخب تشكلت مصالحهم ومكاسبهم وثرواتهم من غير إنتاج ومشاركة اقتصادية واجتماعية؟ ماذا يمكن أن يؤثر هؤلاء في الصراع السياسي الإقليمي والعالمي؟ وفي أي اتجاه سوف يؤثرون؟ وما قيمة الاحتجاج للذين يشاركون الاوليغاركيا في الاحتكار والامتيازات ثم يتسلون بالمعارضة الهشة الخاوية على عروشها؟
إدارة الصراع والتسوية السياسية تعتمد أولا على تماسك اجتماعي واقتصادي وديمقراطية حقيقية وحريات وكرامة عالية المستوى يتمتع بها المواطنون ومستعدون لأجلها أن يخوضوا الصراع والتفاوض! وهذا ما يجب أن تناضل لأجله الأحزاب والجماعات والقيادات السياسية والاجتماعية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock