حياتنامنوعات

الجذور الإسلامية العتيقة للتصاميم الحديثة في مجوهرات كارتييه

يكشف معرض “كارتييه والفن الإسلامي: البحث عن الحداثة”، الذي استضافه “متحف دالاس للفن” حديثاً، بعد عرض ناجح في “متحف الفنون الزخرفية” في باريس، كيف تحوّلت التصاميم الهندسية للفن الإسلامي إلى مصدر إلهام لكارتييه، لخلق جماليات حداثية رائدة، في مجال المجوهرات الراقية، مطلع القرن العشرين.

وتعدّ تصاميم كارتييه جزءاً من علاقة امتدت لقرون بين الفنانين الأوربيين والفن الإسلامي. علاقة يصفها مدير “متحف الفنون الزخرفية” أوليفييه غابي، في كتيب المعرض، بأنها لطالما كانت “سياسية بامتياز”، مع “مزيج من الافتتان والعنف والسيطرة”.

على الرغم من أن التجار والدبلوماسيين كانوا لعدة قرون الأوروبيين الوحيدين القادرين على زيارة إمبراطوريات الشرق الأوسط، إلا أن حلول الحقبة الاستعمارية وتزايد النفوذ الغربي في المنطقة، حملا انفتاحاً على فرص السفر في مطلع القرن التاسع عشر، مع توافد سيل من فناني أمريكا الشمالية وأوروبا على القسطنطينية (إسطنبول الحديثة) والقدس والقاهرة ومراكش.

دمجت اللوحات التي ابتكرها أولئك الفنانون، الخيال بالواقع، خصوصاً عند رسم الحرملك، الفضاء الذي محظوراً على الرجال، فصورت النساء من أهل البلد، بوصفهنّ الآخر الغريب، ما عكس إحساساً بالتفوق الغربي

ولكن، على الرغم من أن الاستشراق المبتذل في تلك الأعمال ووجه بالانتقادات، إلا أن اللوحات أعطت جمهوراً أوسع لمحة أولى عن جمال الحرف اليدوية الإسلامية، وهو مجال لم يكن في ذلك الوقت ذا أهمية كبيرة للمتاحف والباحثين الغربيين.

مهسا أميني: كيف كانت حياة النساء في إيران قبل الثورة الإسلامية؟

ربما تكون المشاهد التي صورها أولئك الفنانون غير دقيقة، إلا أنّ الأغراض والقطع الأثرية التي رسموها قدّمت بدقّة بلا حدود.
علبة مجوهرات من تصاميم كارتييه يعود تاريخها للعام 1924، مزينة باللؤلؤ والفيروز، وتظهر فيها تأثيرات التصاميم الإسلامية
علبة مجوهرات من تصاميم كارتييه يعود تاريخها للعام 1924، مزينة باللؤلؤ والفيروز، وتظهر فيها تأثيرات التصاميم الإسلامية

تصاميم الأزهار على البلاط والملامح المعمارية الهندسية والزخارف المعدنية والمجوهرات المدهشة والنسيج والسجاد ذات الحياكة المعقدة أبهرت الجامعين الغربيين.

في عام 2008، عمل لوسيان دو غيز قيماً لمعرض بعنوان “أبعد من الاستشراق”، في “متحف الفنون الإسلامية” في ماليزيا، واستطلع من خلاله تأثير الفن الإسلامي على الغرب.

يقول لبي بي سي كالتشر: “وصلت اللوحات قبل أن تنتشر المعرفة. كان الكثير من الناس يقتنون أشياءً لأنها كانت رائجة ومطلوبة.

وكان السبب في رواجها أن الفنانين، من جيل سابق، زاروا تلك الأماكن، وجلبوا معهم كميات هائلة من السجاد والأسلحة وغيرها من المصنوعات اليدوية”.

وفيما كان جامعو التحف يقبلون على شراء القطع الأصلية بحماس، كان المصممون يلجؤون إليها للإلهام، وكان تأثير الخزف العثماني واضحاً على أعمال الجميع من مورغان إلى فيلاري وبوش، بينما ألهمت مزهريات قصر الحمراء الرقيقة، محاكاة بالخزف المصقول من صناع أمثال صانع البورسلين والزجاجيات الهنغاري زولاناي. وقدّم كتاب مثل “دراسات في التصميم” (1876) للمؤلف كريستوفر دريسر، نصائح حول استخدام الزخارف الإسلامية في البيوت، للبرجوازيين الذين يمتلكون ذائقة جمالية.

ولكن، بينما كان الغرب يفتح عيونه على جمال وحرفية فنون التصميم الإسلامية، كانت ممارسة تلك الحرف تحت التهديد في بلادها الأصلية.

الأنماط الهندسية الإسلامية التي استلهمها لوي كارتييه، كانت الأساس لحركة حداثية جديدة في التصميم الغربي
الأنماط الهندسية الإسلامية التي استلهمها لوي كارتييه، كانت الأساس لحركة حداثية جديدة في التصميم الغربي

تأثير الاستعمار الغربي، وانتقال تلك البلدان ثقافياً واقتصادياً إلى أراض غير محتلة، “أدّيا إلى فترة من الخمول الفني والركود الثقافي”، بحسب مؤرخة الفن الأردنية وجدان علي، في مقال نشرته عام 1992، بعنوان “حالة الفن الإسلامي في القرن العشرين”. وكتبت: “سرعان ما طغت الجماليات الغربية على التقاليد الفنية الأصيلة”.

يقول دو غيز: “كانوا يخسرون قوتهم ويظهر التأثير الغربي عليهم أكبر. وكانوا متحرقين للتحديث، ولم يعيروا انتباهاً للحرفيين من جيلهم، حتى القرن التاسع عشر”.

وبينما كان تقدير الفنون الإسلامية يزيد في الغرب، كان لا يزال ملوثاً بالتأويلات المبتذلة. في عام 1864، افتتح عدد من المتحمسين لدراسة الفن الإسلامي في فرنسا، معهداً جديداً، “الاتحاد المركزي للفنون الجميلة المطبقة على الصناعة”. عام 1882، تغيّر اسمه إلى “الاتحاد المركزي للفنون الزخرفية”، وكان له دور نشط في تنظيم أول معرض لـ”الفن المسلم” في “قصر الصناعة” عام 1893.

كانت نوعية المواد المعروضة مدهشة، وكان من الواضح أن المعرض حمل نية جادّة في تتبع تاريخ الفنون الشرقية، وحتى تحفيز الإبداع الغربي. ولكن المشهدية الاستشراقية والخلط بين الأنواع لم يحظيا بتقدير المقتنين الجادين، والذين باتوا على اطلاع متزايد.

لم ينظم أول معرض دقيق علمياً، إلا في عام 1903، على يد القيّم الشاب غاستون ميجون، من متحف اللوفر. وقوبل “معرض فنون المسلمين” الذي نظمه بحماسة غير مسبوقة. وكتب مقتني التحف جورج مارتو: “لم تفتح عيون المرء بحقّ إلا عام 1903”.

من مقتنيات المعرض، شمسة مذهبة من إيران، يعود تاريخها للقرن السادس عشر
من مقتنيات المعرض، شمسة مذهبة من إيران، يعود تاريخها للقرن السادس عشر

معجم بصري

من غير المؤكّد إن كان لوي كارتييه، الأخ الأكبر من عائلة كارتييه الذي كان له دور أساسي في بناء سمعة الشركة العالمية، قد زار المعرض، ولكن فهرساً وجد في أرشيف كارتييه يوضح أنه كان على اطلاع على محتواه. في ذلك الوقت، كان صانعو المجوهرات عالقين في حلقة مفرغة من تدوير الأنماط التاريخية الأوروبية.

تقول القيِّمة على قسم الفنون الزخرفية والتصميم في متحف دالاس للفن، سارة شلونينغ، لبي بي سي كالتشر: “إن نظرت إلى أعمال كارتييه، ستجد أنهم كانوا جزءاً من الطراز النيو كلاسيكي، ما نسميه حالياً طراز الطوق أو الإكليل، حيث هناك نوع من الثقل والزخرفية”.

تقول شلونينغ إن كارتييه كان “مهتماً بإيجاد طراز جديد، لكنه لم يكن مهتماً بالجماليات الحديثة لعصره، والتي كانت تتمثل بطراز الآرت نوفو”.

معرض عام 1903 منحه المعجم البصري الذي كان يبحث عنه. “رأى في الهندسة، وفي الزخارف المقطرة، مساراً مذهلاً إلى الأمام، ويمكن أن نجدها في أعماله منذ عام 1903.

بدأ يلعب بها، ويضعها في عزلة كاملة، كما هو الحال في هذا البروش الصغير المذهل والبسيط للغاية المؤلف من سلسلة مثلثات. لكن في حالات أخرى، يمكن أن نراها تتسلّل إلى طراز الأكاليل، إذ بدؤوا بإدراجها في تصاميمهم، واللعب والتفكير بكيفية التحوّل”.

أُتبع معرض باريس عام 1903 بمعرض رائد آخر في ميونخ عام 1910، امتاز بتصنيف الأغراض بحسب تقنيات صناعتها ومنشأها الجغرافي مع نية مباشرة لإلهام الإبداع المعاصر.

تمارين على الزخرفة العربية، من أرشيف دفاتر كارتييه عام 1910
تمارين على الزخرفة العربية، من أرشيف دفاتر كارتييه عام 1910

يعتقد أن ذلك المعرض كان الحافز خلف تطوير لوي كارتييه لمجموعته الخاصة. كان يتمتع بذائقة خاصة تميل إلى المخطوطات القديمة واللوحات والقطع المطعمة من إيران والهند من القرنين السادس عشر والسابع عشر.

منذ ذلك الحين، تحولت العمارة والمخطوطات والمنسوجات الإسلامية إلى مصدر إلهام ملحوظ لمصمّمي كارتييه.

هكذا، أصبحت الثلمات المسننة، وأشكال الطوب المرصوص، والهالات على شكل لوز، والتيجان، واللفائف، جزءاً من زخارف كارتييه المميزة.

مع العشرية الأولى للقرن العشرين، كانت المواد والألوان الخاصة بالعالم الإيراني مؤثرة بشكل خاص، مع ظهور أحجار الأزرق اللازورد أو الياقوت الأزرق والأخضر من اليشم أو الزمرد في نمط الطاووس الشهير.

في أعمال أخرى، نلاحظ الجمع بين الفيروز الإيراني واللازورد الأفغاني المرقط باللون الأزرق الداكن، من أجل إعادة إنتاج تدرجات الألوان التي نراها في أعمال الخزف والزجاج والبلاط في آسيا الوسطى.

ومن الألوان المفضلة أيضاً، اللونان المرجاني والأسود، في واحدة من القطع المفضلة عند شلونينغ، وهي عبارة عن عصبة رأس من عام 1922 مصنوعة من المرجان والعقيق والماس.

تقول: “إنها واحدة من تلك القطع التي تحتوي على كل شيء. نرى المصممين يلعبون بهذه الأشكال العمودية وأقواس حدوة الحصان، لكنها مقطرة في صورة مصغرة وملفوفة كأنك ترتدين تصميماً معمارياً صغيراً”.

على الرغم من أن دار كارتييه، استخدمت الزخارف الإسلامية بشكل فريد ومبتكر، لخلق جمالية حديثة مذهلة، إلا أن المجالات الفنية كافة لم تكن محصنة من تأثيرات التصميم الإسلامي.

تماماً مثل لوي كارتييه، كذلك زار هانري ماتيس معرض ميونخ عام 1910. بعد ذلك، توجه إلى جنوب إسبانيا، حيث زار قصر وقلعة الحمراء في غرناطة الشهيرة بزخرفتها الرائعة.

يلحظ دو غيز أنه بعد زيارة ماتيس إلى إسبانيا، باتت ألوانه أكثر كثافة، وخطوطه أكثر اتساعاً، وعند إبداعه قصاصات الورق الرائدة، “أصبحت أوجه التشابه مع زخارف البلاط المكسوة بالفسيفساء التي رآها في قصر الحمراء واضحة”.

بدوره كان إيشر مفتوناً بقصر الحمراء، بتناسقه وإبداعه الهندسي، ما ألهم أعماله البصرية المذهلة.

قارورة برونزية من إيران، يعود تاريخها للقرن التاسع أو العاشر، وتظهر فيها الخطوط الهندسية الواضحة
قارورة برونزية من إيران، يعود تاريخها للقرن التاسع أو العاشر، وتظهر فيها الخطوط الهندسية الواضحة

في مجال الفنون البصرية، أحدثت الأزياء ذات التصاميم الشرقية في عروض الباليه الروسي لليون باكست، ضجة، ما ترك تأثيراً على مصمم الأزياء بول بواريه الذي حول شغفه إلى نمط حياة افتراضي يجمع بين الموضة والأثاث والأقمشة.

كذلك الأمر بالنسبة لكارلو بوغاتي، أحد المجددين في تصميم المفروشات في القرنين التاسع عشر والعشرين، الذي استخدم تأثيرات التصميم الإسلامي مثل المقرنص وأشكال حدوة الحصان في تصاميمه.

بطبيعة الحال، فإن التأثيرات الأسلوبية تتضاءل وتخبو، وبحلول منتصف القرن العشرين لم يعد التصميم الإسلامي محبوباً في الغرب.

ومع ذلك، تطرقت بعض المعارض الحديثة لتأثير الفن الإسلامي والمهتمين بالإسلام على الغرب، ومنها معرض “أوروبا الحديثة والفن الإسلامي” في متحف ليون للفنون الجميلة في عام 2011، ومعرض “مستوحى من الشرق: كيف أثر العالم الإسلامي في الفن الغربي” في المتحف البريطاني عام 2019، وكان من المقرر أن ينتقل إلى “المعرض الإسلامي للفن” في ماليزيا، لكن الوباء عطل الخطة.

مع هذا الوعي والاهتمام المتزايد، تتساءل شلونينغ عما إذا كان معرض كارتييه يمكن أن يكون بمثابة حافز لجيل جديد من الفنانين والمصممين. “نحن نعرض الأشياء التي قدمت في معرض عام 1903، ونعرض أيضاً مسارها في إلهام فرد. في الوقت نفسه، نقدم المجموعة إلى جمهور جديد ونشعر بفضول تجاه ما يمكن أن ينتج من عرض هذه القطع مرة أخرى”.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock