أفكار ومواقف

الجزيرة: من منكم بلا خطيئة؟

من المستحيلات الكبرى أن نجد مؤسسة إعلامية غير مؤجندة، أو لا تضع في حسبانها خطوطا حمراء، يستحيل تخطيها.
القنوات الإخبارية العالمية، تلك التي تنظِّر علينا يوميا بالمهنية والحرفية وعدم الانحياز والموضوعية، تنقلب 180 درجة على ميثاق شرفها المهني حين يتعلق الخبر أو التقرير أو التحقيق أو الحوار بقضية عربية، وتحديدا بقضية فلسطين. وعليه قس الصحف والمجلات ومنافذ الإعلام الأخرى.
عندنا، في المنطقة العربية، لا توجد مهنية ولا ما يحزنون في الإعلام. القنوات الإخبارية والصحف والوسائط الأخرى، في غالبيتها العظمى، تحتمي قبل كل شيء بالخط التي ترسمه الدولة، حتى تلك التي تعتبر نفسها مستقلة. ثم، تتوقف مليا أمام ما تفرضه قيم المجتمعات، والدين.
لا إعلام يمكن أن نراه محايدا موضوعيا صادقا مائة بالمائة، حتى في المدينة الفاضلة. ليس لأن الإعلام لا يحتمل هذه المواصفات، بل لأن هذه المهنة مسكونة بالانحياز، لأن صناعها بشر، وهم يفصّلون ويخيّطون ما يريدونه على مقاسهم أو مقاس من يدفع رواتبهم. ونادرون ندرة الخل الوفي والعنقاء من يخرجون من هذا السرب.
الهجمة المنظمة على “الجزيرة” والتي بدأها ويكيليكس، الموقع الفضائحي الشهير، سبقتها حملات لا يمكن النظر إليها بعيدا عن الأجْندة، وبعيدا عن توقف المهاجمين عن رمي قناة عربية، تمكنت خلال سنوات قصيرة من أن تبز قنوات عالمية في نشر الخبر وتقديم صورة مختلفة عن العرب للعالم، حتى في أدنى تجلياتها.
“الجزيرة” التي أسهمت في وضع عين المشاهد العربي على منطقة وعي جديدة، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها، لها أجندتها، وتحتمي بانحيازاتها، وتقف عند خطوط حمراء وخضراء وزرقاء، لا يمكن أن تتجاوزها تحت أي ظرف.
و”الجزيرة” قناة مهنية، متميزة بما تقدمه من تحليلات وأخبار ومتابعات تلاحق أدق دقائق الخبر، بموضوعية حينا، وبتركيز على جانب دون سواه حينا آخر، لتبدو غير موضوعية، محملة بخطابية منزوعة من الدسم الإخباري، أو مرتبكة، أو متوجسة.
مع هبة موقع ويكيليكس الذي ما تزال تحوم حوله الكثير من التساؤلات المريبة، انبرى البعض إلى القاء الحجارة على “علبة الكبريت”، مع أن هؤلاء الـ”بعض” شاهدناهم على شاشتها وما نزال، وهم يلعلعون في هذه القضية أو تلك.
اعترف بكثير من الحسرة أن لدي رغبة بأن أرى قناة عربية تمتلك القدرة على أن تكون جذابة كالجزيرة، وقادرة على إرواء غليلي مثلها.
صحيح أنني أجد في هذه القناة أحيانا أخطاء في صياغة الخبر وتركيبه وتقديمه، وفي العناوين الرئيسة التي تبثها في نشراتها المركزية، واتنشق ريح انحياز هنا، وإخفاق هناك، وأرى صورا لا تتناسب ومستوى الرؤية الفنية لمثلها، واكتشف أغلاطا معرفية، وعدم مصداقية، لكن من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.
ثم إن البديل ليس موجودا. وإذا كان البديل قنوات رسمية أو مصالحية تجارية، فهي لم تعد صالحة للاستهلاك.
من حق أي كان مهاجمة “الجزيرة”، لكن ليس من حق من يهاجمها أن يلهث وراءها ليحظى ببضع دقائق كي يظهر على شاشتها. أليست قناة عدوة.. قناة تروج للاستعمار والاحتلال، كما يدعي بعض المهووسين بالخوف من نظرية المؤامرة؟!

تعليق واحد

  1. صدقت واجدت
    ما قلته صحيح بالكامل واثني عليه ، راجيا التكرار ففي الاعاده افاده لمن لا يزال لديه بصيص من بصر وبصيره بعيدا عن عمى المصالح والدس المشبوه .
    تحياتي

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock