فكر وأديان

الجلوة العشائرية

د. أحمد ياسين القرالة

في مجتمعنا دون غيره من المجتمعات يرتكب شخص أرعن لا يقدر عواقب الأمور أو مجرمٌ متمرد جريمةَ قتل، تدفع عوائل كثيرة وأسر متعددة ضريبة هذا الفعل وثمن هذا السلوك، فبينما يقبع القاتل في السجن يضطر أقاربه وذووه؛ صغيرهم وكبيرهم، صحيحهم ومريضهم، رجالهم ونساؤهم، للجلاء ومغادرة منازلهم وترك مدارسهم وهجر أراضيهم ومزارعهم اتقاءً لثأر ظالم أو انتقام غاشم.
إن الناظر في الجلوة العشائرية وإجراءاتها يجدها تتعارض صراحة مع نصوص الشريعة الإسلامية وتتناقض كفاحاً مع قواعد التجريم والعقاب ومبادئ المسؤولية الجنائية في التشريع الإسلامي، فالنصوص الشرعية تجعل الشخصَ وحده مسؤولاً مسؤولية كاملة عن أقواله وأفعاله، وأن الإنسان لا يسأل عن فعل غيره، ولا يؤخذ بجريرته مهما كانت العلاقة بينهما أو صلة القرابة التي تجمعهما، وتأبى نصوص الشريعة أبداً أن يحاسب الإنسان على فعل لم يرتكبه أو ذنب لم يقترفه، قال تعالى: “مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا” وقال تعالى: “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”، وقال:” وَأَن لَّيْسَ للإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى”، وقال تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا”، وقال تعالى: “وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا”.
كما أن الجلوة تتعارض مع هيبة الدولة وتعتدي على سلطانها في تطبيق القانون، فالدولة وحدها هي من يحتكر حق العقاب وتطبيق القانون، وليس لأحد غيرِ ذي صفة قانونية أن يعاقب غيره أو أن يستوفي حقه بنفسه، ولا أن يفرض على غيره مغادرة مسكنه أو ترك محل إقامته لأي سبب كان.
إذا كانت الجلوة العشائرية قد أدت وظيفتها يوم لم تكن هناك دولة تفرض هيبتها وتحجز الناس عن بعضهم بعضا فتقتص للضحية وتأخذ على يد الجاني، ويوم أن كانت الحياة بدائية وبسيطة كان من الممكن أن يغادر الإنسان بلدته أو يترك قريته فراراً من فورة دم عمياء أو سورة غضب جامحة عملاً بأخف الضررين، ولكن بعد أن وجدت الدولة وتوطدت أركانها واستقرت مؤسساتها، وأضحت الحياة معقدة تجعل من المتعذر جداً على العائلات هجر منازلها وتغيير مواضع سكناها، ما عاد من المقبول أبداً تطبيقها والعمل بها استصحاباً لحالة ما قبل الدولة.
لا تخرج الجلوة العشائرية على كونها ظلماً اجتماعياً محققاً لا ينبغي السكوت عليه أو القبول به، وعلى جميع مؤسساتنا الرسمية والأهلية العمل على مواجهته والتصدي له، ابتداء من القانون والتشريع وانتهاء بالإعلام ومؤسسات صناعة الرأي العام وتشكيل العقل الجمعي، ويقع على كاهل وزارة الأوقاف من خلال خطب الجمعة ودروس الوعظ والإرشاد مسؤولية كبيرة في التصدي لهذه الظاهرة؛ نظراً لما للدِّين من تأثير كبير في نفوس الناس وقدرة هائلة على تغيير قناعاتهم وتعديل سلوكياتهم.
لا يعقل بعد ألف وأربعمائة عام من نزول الإسلام ونحن نقترب من مئوية الدولة الأردنية أن تسود أعراف الجاهلية وأحوال وقيم ما قبل الدولة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock