آخر الأخبار-العرب-والعالمالعرب والعالم

“الجنائية الدولية” تفتح الطريق لملاحقة الإسرائيليين المتورطين بجرائم حرب ضد الفلسطينيين

نادية سعد الدين

عمان- يكتسب قرار المحكمة الجنائية الدولية، القاضي بولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، أهمية سياسية وقانونية بالغة لصالح القضية الفلسطينية، بوصفه خطوة وازنة مُمهدة لفتح تحقيق دولي في جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، ونظير ترسيخه قانونياً للنطاق الإقليمي الحدودي للأراضي المحتلة، خلافاً لسياسة الضم الإسرائيلية.
ويأذن القرار الدولي بالشروع الفوري في إجراءات التنفيذ، عند التحقيق بداية في ملفات الاستيطان والأسرى والعدوان على قطاع غزة، مما يتيح إلقاء القبض على القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين المتورطين في ارتكاب “جرائم حرب” ضد الشعب الفلسطيني، مثلما يجعلهم ملاحقين من العدالة الدولية.
وتحمل مضامين القرار بعداً سياسياً مُعتبراً عند إشارته للوحدة الإقليمية للأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، عبر شمول نطاق الاختصاص الإقليمي للمحكمة لجميع أراضي الضفة الغربية، بما فيها شرقي القدس، وقطاع غزة، بما يعني؛ من وجهة نظر القانون الدولي، بأنها أراضٍ محتلة، وليست متنازع عليها، أو خاضعة للسيادة الإسرائيلية، وفق ما تدأب سياسة الاحتلال على استلابه.
ولم يكن تلقف القرار على سوية واحدة؛ فقد رحب الفلسطينيون بالقرار باعتباره انتصاراً للعدالة وإنصافاً للشعب الفلسطيني، بينما شهدت المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية حالة من الإرباك والقلق الشديدين إزاء عواقب القرار ونتائجة الوخيمة عند تنفيذه، وهو القلق نفسه الذي انسحب على الإدارة الأميركية الجديدة التي أعلنت رفضها للقرار.
الأبعاد القانونية والسياسية للقرار
وينطوي القرار على أبعاد سياسية وقانونية وازنة؛ إذ شدد خبير القانون الدولي، الدكتور أنيس القاسم، في حديثه لـ”الغد”، على أهميته البالغة، إزاء تأكيده لمبادئ لم تعد محل نقاش أو شك، عند تثبيته بأن فلسطين دولة عضو في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولها الحق في الانضمام إليه، وهي دولة تُسألَ عن إقليم معروف، يشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967.
وأفاد الدكتور القاسم بأن “ذلك يسمح بأن تصبح للمحكمة الجنائية الدولية الولاية القضائية للتحقيق في الجرائم التي ارتكبت أو ترتكب في هذه الأراضي التي حددتها بالضفة الغربية، بما فيها شرقي القدس، وقطاع غزة”.
ونوه إلى أن “القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين، ممن لهم ضلع في ارتكاب الجرائم، سيخضعون لولاية المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، حيث ستباشر المدعية العامة (فاتو بنسودا) بالتحقيق، وإذا توفر لديها الأدلة الكافية حول تورط ضابط عسكري أو مدني إسرائيلي بالجرائم، فسوف توجه له مذكرة جلب وتعميم على مختلف دول العالم لإلقاء القبض عليه وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية”.
ورأى القاسم أن “ذلك يعد كسراً للهيمنة الإسرائيلية التي يتبجح بها نتنياهو على نطاق العالم، باعتقاده أنه طليق من المساءلة الدولية، حيث يعني القرار الدولي بأن نتنياهو وكافة المسؤولين العسكريين والسياسيين أصبحوا ملاحقين من العدالة الدولية”.
وحول تأثير مسألة عدم انضمام الجانب الإسرائيلي لاتفاقية روما؛ قال القاسم إن تطبيق القرار “ليس له علاقة بكون الكيان الإسرائيلي ليس طرفاً في اتفاقية روما، التي على أساسها تأسست المحكمة الجنائية الدولية، ودلالة ذلك أن المحكمة تطالب الآن بالتحقيق في جرائم الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان، علماً بأن أميركا ليست طرفاً في الاتفاقية أيضاً”.
وأوضح بأن المتهم بارتكاب الجريمة ليس بالضرورة أن تكون دولته طرفا بالاتفاقية، لأن الجريمة والمساءلة فردية، وبالتالي سيتم ملاحقة الأفراد الذين ارتكبوا الجرائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأشار إلى أن “لدى المدعية العامة كم هائل من الوثائق التي تدين بعض المسؤولين العسكريين والسياسيين الإسرائيليين، وعليها الآن أن تحقق في التهم أو التقارير، وإذا ثبت أن لديها كما كافيا من الأدلة لتوجيه التهم، فستبدأ بتوجيه التهم وتطالب بتسليم المتهمين”.
وحول دور السلطة الفلسطينية في هذه المرحلة؛ أعرب القاسم عن خشيته في أن يصبح القرار أداة تفاوض بين القيادة الفلسطينية والجانب الإسرائيلي لاستئناف المفاوضات في محاولة من الاحتلال لإغلاق الملف نهائياً، قياساً بتجارب مماثلة سابقة.
ولم يستبعد ارتكاب الاحتلال الحماقات لإغلاق الملف، كأن يستخدم التكنولوجيا المتطورة لتبديد التهم وطمس الوثائق والإطاحة بها بتدميرها أو إخفائها أو حرقها، أو يمارس الضغوط على المدعية العامة لعدم المضي في تنفيذ القرار عبر تهديدها بكشف سجلها الذي يكتنفه الأقاويل بالتواطؤ في قضايا تمس حقوق الإنسان في بلادها، بما يتوجب على السلطة الفلسطينية اتخاذ الحيطة والحذر.
مباشرة إجراءات التقاضي
وبصدور القرار؛ تستطيع المحكمة الجنائية الدولية مباشرة الإجراءات القضائية في الملفات المرفوعة أمامها، والتي تتضمن الجرائم التي ارتكبتها سلطات الاحتلال خلال ثلاث حروب شنتها على قطاع غزة، إضافة إلى ملفي الاستيطان والأسرى، وفق عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، رئيس دائرة حقوق الانسان والمجتمع المدني، أحمد التميمي.
كما يفتح القرار “الطريق أمام ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية”، حيث جاء القرار استناداً إلى “اعتبار فلسطين دولة، وبالتالي تنطبق معاهدة روما على الجرائم المرتكبة في أرضها”، وفق قاضي قضاة فلسطين، مستشار الرئيس للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية محمود الهباش.
أما فلسطينياً؛ فقد أوضح وزير الخارجية والمغتربين الفلسطيني، رياض المالكي، بأن الفترة المقبلة تتطلب العمل مع خبراء قانونيين ومحامين فلسطينيين أو عرب أو دوليين، ما يستدعي توفير كل الامكانات المالية والاجرائية.
وأفاد بأن الملفات الثلاثة الموجودة على طاولة الجنائية الدولية، هي: العدوان على غزة، والأسرى، والاستيطان، متوقعاً أن يبدأ التحقيق في ملف الاستيطان، فيما سيستمر التواصل مع المدعية العامة للبحث في الخطوات اللاحقة وتشكيل فرق التحقيق الرسمية لبدء عملها على أرض دولة فلسطين.
بدوره؛ أوضح عضو اللجنة التمهيدية لمنظمة التحرير، تيسير خالد، أن القرار يفيد بأن تصنيفات الأراضي كما وردت في الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي “أ، ب،ج” (وفق اتفاق أوسلو) لا أهمية لها من وجهة نظر القانون الدولي، وبأنها جميعها أراضٍ فلسطينية محتلة، وليست أراض متنازع عليها، وفق المنظور الإسرائيلي والأميركي في ما يسمى “صفقة القرن”.
ودعا المدعية العامة للبدء بالترتيبات التي تسمح بمساءلة ومحاسبة المسؤولين العسكريين والمدنيين الإسرائيليين على الجرائم المنصوص عليها في المادة (5) من نظام روما؛ كجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة الجماعية وجرائم العدوان وهدم منازل ومنشآت الفلسطينيين وجرائم التمييز العنصري والترانسفير والتطهير العرقي.
رفض إسرائيلي وأميركي
في المقابل؛ أكد نتنياهو رفضه للقرار، قائلاً إن “الجنائية الدولية أثبتت اليوم، مرة أخرى، أنها جسم سياسي وليست مؤسسة قضائية… المحكمة تتجاهل جرائم الحرب الحقيقية، وبدلا من ذلك تطارد “دولة إسرائيل”، دولة ذات نظام حكم ديمقراطي قوي، وتقدس حكم القانون”، وفق مزاعمه.
بينما أعربت وزارة الخارجية الأميركية، عن “القلق الشديد بشأن سعي المحكمة الجنائية الدولية، لفرض وصايتها القضائية على إسرائيليين”، وفق قولها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock