فكر وأديان

الجنة والنار

د. هاشم غرايبة

تحدث بابا الفاتيكان في مطلع العام 2014 عن الجنة والنار بقوله: “الكنيسة لم تعد تؤمن بوجود جحيم فعلي يعذب فيه الناس، فهذا المعتقد غير متوافق مع المحبة المتناهية لله الذي يعد صديقا وحاضنا للبشرية وليس قاضيا ينزل الأحكام على رؤوسها.. وكخرافة آدم وحواء فإننا نرى أن الجحيم استعمال مجازي للتعبير عن الأرواح المعزولة والتي ستتوحد في الحب مع الإله كباقي الأرواح..”.
واضح أن هذا الرأي متوافق مع فكرة العلمانيين، ومريح للقوى الرأسمالية المتحكمة في مصائر الشعوب والمؤلفة من الظالمين والمستبدين لكنه صادم للمؤمنين الصالحين، فأساس الإيمان ينبني على القناعة بوجود الله العادل الذي لم يخلق خلقه ليتركهم هملا، يفعل منهم ما يحلو له، فيضطهد القوي غيره أو يسلبهم حقوقهم، ويقدم آخر النفع لغيره، وفي نهاية الحياة لا يجد الظالم عقابا ولا المحسن ثوابا.
الركون الى عدالة البشر المتمثلة في النظام السياسي السائد هو الظلم بعينه، لأن منتجها ما نراه من أن 1 % من البشر يمتلكون 99 % من الثروة؛ أي أنهم يستولون على نتاج جهد الآخرين، بينما تقول العدالة الإلهية إنه من يعمل مقدار ذرة من خير أو شر سيحاسب عليه، فلا يضيع جهد لمحسن ولا ينسى أذى المسيء.
ليست هذه المحاولة الأولى لتسخير الدين لنفع أصحاب المال والسلطة، فمنذ أن تحولت أوروبا للنصرانية، بدأ تحوير العقيدة، ليصبح الدين مؤسسة استثمارية لطبقة رجال الدين، ولضمان تقاسم المنافع، بينها وبين الطبقة الحاكمة، وباسم العلمانية، أفرغت العقيدة من محتواها القيمي وأبقى للدين الوعظ والإرشاد، فسلبت سلطته على تنظيم حياة الناس وضبط تصرفاتهم.
المتأمل في طبيعة الحياة البشرية يجد أن كل شيء في الكون مضبوط بقوانين صارمة، لا يحيد عنه يسميها من اكتشفها قوانين الطبيعة، لكنه من السخافة الاعتقاد أن قوى الطبيعة هي التي وضعت هذه القوانين الصارمة، ولا تعليل منطقيا إلا أن الخالق العليم الخبير هو من وضع ذلك.
لذا فلا ضرورة لمحاسبة الجمادات والكائنات الحية (غير الإنسان)، فهي لا تحيد عما خلقت لأجله، فمن لا يملك خروجا عما خلق له لا يحاسب، من يحاسب هو من له الخيار بالانضباط وفق ما شرعه الله له أو الخروج عليه.
ولما كان الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتمتع بخاصية مزدوجة من التخيير والتسيير، وفي الأمور التي لا يمتلك فيها الإنسان القدرة على اختيار الأفضل، لمحدودية معرفته، مثل الولادة والحياة والموت والرزق، تتغلب فيها خاصية التسيير، لذا فهذه لا يحاسب عليها.
لكنه في الأمور التي يحتكم فيها الى عقله وإرادته، مثل الإيمان والكفر، والامتثال لأوامر الله ونواهيه أو عصيانها، وتقديم الخير والنفع لغيره أو سلبهم حقوقهم، كل هذه الأمور يجب أن يحاسب عليها، فالعدالة تقتضي ذلك.
لذلك يجب أن يقتنع المؤمن بالله بالغيبيات التي ذكرها الخالق للناس في رسالاته، سواء تلك التي هي مغيبة عن إدراكه وحسه مثل أنه تحت رقابة لصيقة تسجل عليه كل ما يلفظه أو يفعله أو يدور في خاطره، أو تلك التي ستأتي في المستقبل مثل نهاية الكون وزواله، وتبدل الأرض غير الأرض، والبعث من الأرض الجديدة، والنشور لكل البشر ووقوفهم للحساب حيث تعرض عليهم أعمالهم في الحياة الدنيا والتي تؤهلهم للولوج الى الحياة الأخرى الدائمة التي لا موت فيها ولا مرض، والتي يستحقونها تبعا لمحصلة عملهم في الحياة الدنيا، خيرا فخير وشرا فشر، وعلى درجات متباينة.
لقد وردت آيات قرآنية كثيرة لوصف هذا المشهد المهيب، الذي يتحدد فيه مصير الإنسان، ولرحمة الله بخلقه وحبه لهم، فقد أوضح لهم كل تلك الأمور بشكل مفصل، وبصورة كاملة.
غير المؤمنين من الذين اقتنصوا الخيرات في الدنيا بثمن سهل، ولم يعبؤوا بحرام أو حلال، يودوا لو يحوزوا خير الآخرة مجانا أيضا، فيتمنوا أن لا يبذلوا كلفة تقتطع من كسبهم ولا تنتقص من انغماسهم في الشهوات، لذلك يُمنّون أنفسهم الأماني، ويروّجون لغيرهم بأنه ليس هنالك من جنة ولا نار، وأنه ليس هنالك من نبوة بل هم مصلحون ادّعوا أن الله أوحى إليهم بتلك الأفكار التي هي من اختراعهم بقصد الترغيب والترهيب.
بالطبع من أسهل الأمور التكذيب، فهو لا يحتاج الى دليل بل يكفي التشكيك، ولما كان ما يدعو إليه الأنبياء هو الصلاح والاستقامة، والتي تحدّ من اتباع الشهوات وتقيّد الهوى، فهي التزامات ترتب كلفة ثقيلة على النفس، لذا فالدوافع لتكذيبهم أقوى، والحوافز لاتباعهم أقل.
لذلك عزز الله تعالى دعوات أنبيائه بمعجزات قاهرة للعقل، ومع أنه يفترض أن من شهدها أن يؤمن، لكن المكذبين لم يستسلموا لعقولهم، بل تمادوا في التكذيب فقالوا إنه سحر.
لقد خلق الله الجنة لكي تكون مستقر الإنسان، ومحال لمن رأينا حكمته في كل شيء، وأنه جعل لكل شيء سببا، أن يجعل نوال هذه السلعة الثمينة مجانيا وبلا كلفة، وهذا الفوز العظيم تلقائيا بلا جهد يبذل، فجعل الدنيا قاعة امتحان، لكنه لحبه أن ينجح الجميع، سرّب إليهم الأسئلة التي سيمتحنون بها، والإجابات النموذجية التي تؤهلهم للنجاح.
فمن العدل أن يكون هنالك في نهاية المطاف فرز للمتقدمين لنيل هذا العطاء، ولا يعقل أن يناله الجميع على السواء “إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى” (الليل:4-10).
فهل بعد ذلك كله يبقى من يماري في حقيقة أن الجنة محض فضل، والنار محض عدل؟!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock