ثقافة

الجنيدي: العجز موجود في كل شيء حولنا

قاصة فلسطينية ترى أن إكرام المرأة دليل على رقي الأمة


 


حوار عزيزة علي


تسعى القاصة الفلسطينية أماني الجنيدي في قصصها إلى “استفزاز المرأة وتحريك أحاسيسها ودفعها للصراخ، لتستعيد كرامتها المسلوبة بشتى صورها”. وترصد الجنيدي في مجموعتها القصصية “امرأة بطعم الموت” التي صدرت في العام 2005 حركة المجتمع الفلسطيني بأسلوب بسيط وعميق في الوقت نفسه، خصوصا تناولها لواقع المرأة الفلسطينية.


 وتعيش الجنيدي الحاصلة على بكالوريوس لغة عربية من آداب الجامعة الأردنية في مدينة الخليل، وهي ترى أن اللغة أداة للتعبير عن الشعور، “فمن الطبيعي أن اعبر عما هو عميق ومأساوي ببساطة دون اللجوء إلى فلسفة اللغة التي تدخل القارئ في متاهات”، وصدر للجنيدي قبل “امرأة بطعم الموت” مجموعة قصص للأطفال بعنوان “السور”.


حول تجربتها القصصية وعوالم مجموعتها الأولى للكبار كان لـ”الغد” هذا الحوار مع أماني الجنيدي.


من الواضح انك بدأت الكتابة متأخرة: هل كان ذلك نتيجة اختيار حر، أم أن ظروفاً حالت دون تجارب مطلع الشباب، كما يحدث عادة؟


من زمان وأنا اكتب، منذ أيام المدرسة. كنت احتفظ بما اكتب في خزانة كتبي، أما نشر ما اكتبه فكان قرارا حازما اتخذته باختيار الوقت المناسب، لم يأت قراري من فراغ، اردت دائما أن أكون أنا، وألا أهدر وقتي في الثرثرات والمجاملات، أو أن أجلس في المطبخ لتحضير الحلويات. قررت أن اهجر عالم الفراغ، وان ادخل عالمي، عالم الكلمة، قررت أن اصرخ، “على طريقتي” بكل ما أوتيت من كلمات، حينما قررت بدأت رحلة المليون ميل بخطوة واحدة. أول خطواتي كلفتني خمس سنوات من الاجتهاد المتواصل.


بين قصتك الأولى “المفتاح”، وما جاء بعدها، رغبة في تجاوز الواقع نحو حدود الفانتازيا، فهل لذلك علاقة بقسوة الواقع المعاش؟


أبدأ بكتابة قصة حينما تقفز إلى ذهني فكرة تؤرقني تستفزني، ثم تتشكل في أحداث يجريها أشخاص يسكنون رأسي. فأصاب بدوار، لا أشفى منه إلا إن أخرجتهم من رأسي في قصة. هذا ما يحدث معي. “المفتاح” قصتنا جميعا، كلنا في المفتاح حاضرون، في المخيم، في الأمل، في الرجاء، هي واقعية الواقع من وجهة نظري أكلناه وشربناه. لا نريد من أحد أن يصف لنا مرارته. من واجبنا القفز عن الواقع. عدم الرضى به، التحدي والعصيان، الثورة، حتى على الذات. أنا اقفز بطريقتي. فتجاوزت الواقع حلما. وأملا وتحديا. لذلك اصنع شخصيات لها قدرات فائقة. مبررة، كما في قصة “صفقة مربحة”. احلم بعصا موسى ولمسة المسيح، والساحرات، وبساط الريح كي نقفز عن الواقع الأليم.


تكاد المرأة أن تكون بطلة معظم قصصك خصوصا علاقتها بالمجتمع، ومحاولة تأكيدها لذاتها. كيف ترغبين في ان تصوري المرأة، واقعا وتطلعات؟


أصور المرأة كما هي في مجتمعي، اعرضها في صورة حقيقية غير محسنة. يؤلمني أن المرأة تلقن الحياة، مكبلة ولا تدري، مغيبة عن الحياة ولا تعرف، تعاني دون أن تحس. المرأة مستضعفة، هي شيء للاستهلاك، أما إن وجدت نماذج غير ما أقول فهن أقلية من المحظوظات أو من الثائرات.


هذا يؤسفي، لذلك أتطلع في قصصي إلى استفزاز المرأة، إلى حك إحساسها، إلى دفعها للصراخ، لتستعيد كرامتها المسلوبة بشتى صورها. صدقيني إن الشخصية النسوية التي كتبتها في قصة “لم اشرب القهوة هذا الصباح” مقتبسة من واقعنا. فما يزال مجتمعنا يمارس الوأد للبنات بطريقة شرعية. وأد وجودها كإنسان له حقوق.


إن استعادت المرأة كرامتها تستعيد الأمة كرامتها. أليست هي المربية؟ أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟


الميل إلى البساطة في التعبير طابع كتابتك. من أين جاءت هذه البساطة؟ وكيف استطعت أن توظيفها للتعبير عما هو مأساوي وعميق؟


أنا بسيطة، لغتي جزء مني، كل ما هو مأساوي وعميق هو حالة من الشعور. واللغة أداة التعبير عن هذا الشعور، فمن الطبيعي أن اعبر عما هو عميق ومأساوي ببساطة دون اللجوء إلى فلسفة اللغة التي تدخل القارئ في متاهات المعنى وتجعله في حالة غيبوبة. فلا يعلم من أين دخل ولا كيف خرج. أريد أن يحب القارئ ما اكتب، لن يحبني إذا لم يفهم. فبساطة التعبير تقربني من القارئ  وتقربه مني.


العجز سمة معظم الشخصيات قبل أن تتمرد، من الرجال والنساء، ما الذي يوحي لك بالعجز؟


وتسألينني ما الذي يوحي لي بالعجز!؟ ما اكثر العجز من حولي، انه يمتد من المحيط إلى الخليج، أنا واحدة من أمة عاجزة، نغرق من عجزنا في شبر ماء. العجز موجود فيّ وفي أبي وفي جدي وفي عشيرتي وفي وطني وأمتي. هو في كل مكان. علينا ان نقفز إلى مكان آخر لنغير واقع العجز الذي يلغينا.


بعد تجربتك في الكتاب الأول ما الذي تعنيه لك الكتابة الآن؟ وهل تغذينها بالاستماع إلى النقد ومواصلة القراءة؟


الكتابة قوة تسري في بدني تدفعني إلى الرفض. الكتابة عهد ووفاء، هي  اطفاء حريق او إشعال بريق، هي استفزاز جميل، وقرصة أذن، وقبلة على الجبين، وقد تكون فنجان قهوة على (الريق).


لهذا احب كل ما يكتب، ألاحق الإصدارات الجديدة، أفتش عن الكتب القديمة، أنني أقرأ لأني أريد أن أضع العالم كله في رأسي، أقرأ مئة سطر واكتب كلمة، انني بلا شك أقرأ كثيرا واكتب قليلا. من المؤكد أنني أهوى النقد الجميل المفيد المفهوم ويؤثر بي إذا كان صادقا بعيدا عن التحيز.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock