أفكار ومواقف

الجهل “المقدس”

سائد كراجة

الجهل ليس فقط عدم العلم، بل هو احيانا «علم فاسد» اي انه علم أو رأي أو معلومات في أقل تقدير غير صحيحة او غير دقيقة او انها باطلة في المبنى والمعنى، يعض عليها البعض بالنواجذ، ويتماهى بها حتى لا تكاد تفرق بينه وبين جهله «المقدس»، الذي يصبح هويته الشخصية، فإن اجتمع على ذات الجهل «المقدس» مجموعة من الناس، صاروا «اخوة» في هذا الجهل، ينافحون عنه، بل يفجرون انفسهم قنابل متحركة دفاعا عنه كما دعاش، او حركة الحشاشين التي كانت تقتل تحت تأثير «المقدس» الموهوم والحشيش.

في كتابه الجهل «المقدس» يرصد اوليڤييه روا ـ الباحث الفرنسي المتخصص في دراسة الظاهرة الدينية الحديثةـ، حالة انتشار السلفية المتزمتة، – ولا نقول كل السلفية- في الديانات السماوية؛ الاسلام والمسيحية واليهودية، وكذلك في بعض «الديانات الارضية»، وهو يخلص ان العولمة في ظل ثورة الاتصالات التي جعلت من العالم ليس قرية بل هاتفا محمولا، وفرت لدعاة السلفية الدينية المتزمتة الاسلامية والمسيحية واليهودية، فرصة غير مسبوقة في الانتشار والتواصل مع العامة بأسرع وأقصر الطرق.

هؤلاء الدعاة الذين نجحوا في الدعوة الى الدين المحض المفصول عن الثقافة الاجتماعية للمتدينين انفسهم، بدعوى الوصول الى «طهر متخيل»، وقد تكيفوا وتعاملوا مع الثقافة الذاتية للشخص باعتبارها ملهاة عن «التدين»، ولهذا ناصبوا العداء للثقافة والحضارة والفن والمسرح والتراث بل والعادات الانسانية الثقافية للشعوب، ودعوا الى «سلفية ذاتية» صار فيها الذهن المنبت عن المجتمع هو الخير، وصارت الهجرة من هذا المجتمع بكل ما يقدمه هجرة نحو النقاء، وتأثير ذلك على من لا يلحق ذلك «النقاء»، العداء بأسلحة التكفير والتنمر.

اوليڤييه واغلب الباحثين في الظاهرة الدينية المتزمتة ركزوا على «التدين»، باعتباره مصدرا اساسيا للسلفية الدينية المتزمتة، والواقع يشير الى صحة هذا الامر بدرجة كبيرة، ولكن ما غفل عنه هؤلاء ان العولمة بما هي في بعض جوانبها عداء محض للتدين، ساهمت ايضا في انتشار ظاهرة السلفية الدينية المتزمتة، حيث مارست العلمانية من هذا الجانب اول درجات الاقصاء للتدين والمتدينين باعتبارهم الآخر «المتخلف»، ودعت الى «عدم التدين المحض» ـ ان صح التعبيرـ باعتباره دليلا على «التحضر والحضارة»، وقد ساهم ذلك في هجرة الدين والمتدينين عن المجتمع، وفي عزلتهم عن الثقافة الاجتماعية السائدة، او على الاقل في انعدام اي مجهود حضاري لقبولهم في ذات الفضاء الاجتماعي الثقافي للمجتمع.

مارست العلمانية والعلمانيون عبر اجيال وما يزالون معتقدات سلفية كثيرة، فالعلمانية الاوروبية تعيش في سلفية عقدة اضطهاد اليهود، وتنتصر لكيان صهيوني يعارض جميع مبادئ العدالة وحقوق الانسان التي تدعيها تلك العلمانية، – وكما كان يقول عابد الجابري، اذا كانت السلفية العربية الاسلامية تسلفت بالتراث والسلف الديني، وتبنته وتلبسته في بيئته الذاتية، فإن بعض اليسار العربي تسلف بالماركسية، كما ان الليبرالي العربي تسلف بالحضارة الأوروبية، بمعنى اعتمادها كمرجعية وكأساس لفهم الحياة المعاصرة، مع اغفال حالة التطور في الحياة ذاتها التي تتعارض مع اي قوالب ماضوية جامدة.

اذاً التدين المحض و»السلفية المتزمتة» المنبتة عن المجتمع، وديناميكية التطور الاجتماعي ليست حكرا على «المتدينين» بل ان العلمانية قد تتسلف احيانا، ولهذا علينا ان نرفع لواء محاربة الجهل «المقدس»، وغير «المقدس» بقبول الآخر اولا، حتى لا نضطر الآخر للهجرة، وايضا علينا ان نعلم انفسنا وابناءنا قبول الآخر وقبول حقيقة ان الثابت الوحيد هو التغير والتطور والتبدل، وان الافكار والذهن لا يتغيران بالقهر والغرس، بل بالحوار والتفاعل الاجتماعي المستمر، وايضا بالفكر الايجابي الذي يسعى من اقصى الاشكال والمشكل لتقديم الحلول.

يبدو ان تقديس الجهل ليس حكرا على احد، وان الناجين منه قلة، والنجاة منه تحتاج الى فعل وجهد يومي لقبول الآخر والاعتراف بتنوع الناس، وانهم يدفعوا بعضهم بعضا بمعنى انهم يساهمون عبر تفاعلهم بتطور الافهام والمفاهيم، وان محاربة الجهل «المقدس»، وان تنوعت مصادره تقوم على الايمان بسيادة القانون، وسيادة الدستور، والمواطنة التي تحدد العلاقة القانونية بين الدولة والمواطن وبين المواطنين انفسهم، إن محاربة الجهل، هي ان تقبل – كما قال الشافعي- ان ما تؤمن به صواب يحتمل الخطأ، وان ما يؤمن به غيرك خطأ يحتمل الصواب، فاهم علي جنابك؟!

المقال السابق للكاتب

سيادة البلادة

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock