آخر الأخبار حياتناحياتنا

الجوارنة يوثق دراسات في “عنبة.. نموذج القرية الأردنية في التاريخ الحديث”

عزيزة علي

عمان- صدر عن وزارة الثقافة كتاب بعنوان “عنبة: الأرض والسكان، نموذج القرية الأردنية في تاريخ الأردن الحديث”، وهو دراسة تاريخية في ضوء الوثائق الرسمية لأستاذ تاريخ جنوب آسيا الحديث الدكتور أحمد محمد الجوارنة.
في مقدمة الكتاب، يتساءل الجوارنة “لماذا أكتب عن قرية عنبة؟ وما الدوافع والمبررات التي تدفعني للخوض في مثل هذا الموضوع؟ لقد وجدت في الكتابة عن قريتي عنبة، مسقط رأس الأجداد والآباء، الذين عاشوا في كنفها وشربوا من مياه آبارها وينابيعها، وأكلوا من ثمارها المختلفة، وماتوا ودفنوا في مقابرها، وجدت ذاتي بكلماتي حول قريتي التي ترعرعت في كنفاتها، وهي الذات التي توصلني بتاريخ مليء بالمشاعر الجياشة والعواطف الفياضة”.
يقول المؤلف “لقد كتبت عشرات الأبحاث، وألفت الكتب الكثيرة، ونشرت المقالات المتعددة، شاركت في مؤتمرات علمية كثيرة جدا، إلا أنني لم أذق طعما للمتعة النفسية، وراحة الضمير، ودفء الكلمات، إلا حينما رحت أحفر في ذاكرة المكان مفردات الزمان الذي ترعرعت فيه، كما ترعرع الأجداد والآباء والأمهات، فكم تكون الكلمات معبرة وأنت تتحدث عن موطنك ومسقط رأسك، تتحدث عن تاريخ لعب دورا عميقا في بناء وعينا وثقافتنا ومداركنا، ورغم معرفتي اليقينية أن مثل هذه الأبحاث لا تعني الكثيرين من الباحثين والقراء، حيث إطارها الجغرافي في حدود القرية ومن عاش فيها، ومكث فيها أو رحل عنها”.
ويرى أن قيمة هذه الدراسات لو اجتمعت من خلال باحثين مختلفين في دراسة قراهم ومناطقهم، فإن ذلك يشكل سلسلة معرفية وثقافية طويلة لتاريخ الأردن الحديث، فالذي كتب عن القرية الأردنية من خلال الوثائق الرسمية والتاريخية قليل جدا، إذ ما يزال الباحثون مقصرين في خوض مضمار مثل هذه الدراسات، سواء في مجال الدراسات العليا، كالماجستير والدكتوراه ومشاريع الأبحاث لطلبة البكالوريوس، أو للباحثين الذين يبتغون النشر العلمي وصولا إلى الحصول على ترقيات علمية في معاهدهم وجامعاتهم.
ويشير الجوارنة إلى أن الناس كانوا يتحدثون في مضافاتهم ومجالسهم وبيوتهم عن ذكريات الماضي الجميل الذي عاشه الأجداد والآباء، ينقلون صورا مشرفة من صور الكفاح والعمل المضني اللذين كانا يلازمان حياتهم بشكل يومي، فلا مكان للكسالى، ولا مكان للمتباطئين، بل ولا مكان لمن لا يعمل ليحصل على قوته وقوت عياله، فالكل يستنهض الهمم بحثا عن أرزاقهم، في فم الوجيان الوعرة، وفي بطون الجبال شديدة الانحدار، وبين صفحات الصخور التي كانوا ينثرونها بالتراب لتصنع لهم الحياة، من تين وزيتون وقمح وشعير وعدس وفول وزعتر وميرمية، بل نجدهم يزرعون في الصخور أشجار التين واللوزيات التي كانت تشق الصخر نصفين ليخرج منها ماؤها ومرعاها.
ويعتبر أن حديث الذكريات هذا كان يتطاير في الهواء، فلا تدوين ولا توثيق، ولا متعلمون ليكتبوا بعض تاريخ أجدادهم في سطور الحياة، فلم يكونوا يعلمون أن الدولة كانت توثق تاريخهم، ولو من الباب الرسمي الذي تكرهه غالبية الناس، وعلى ما يبدو، فإن الصلة بين التاريخ الاجتماعي والتاريخ الرسمي للدولة متوترة في أغلب الأحيان، فالمجتمع الذي ينحت الصخور يجد نفسه في فم الدولة وبين أنيابها من أجل دفع المكوس والضرائب لخزينتها.
ويوضح الجوارنة أن هذه الدراسة قد جاءت بمنهج البحث التاريخي، وعمل على أن يكون موضوعيا إلى أبعد مدى، ويظهر ذلك من خلال اعتماده على الوثائق الرسمية وغير الرسمية التي نجحنا في الحصول عليها من مصادر متعددة، وعليه فقد قام المؤلف بتقسيم هذه الدراسة التي جاءت في سبعة مباحث، وهي كالآتي: الأول بعنوان “ملامح عامة عن قرية عنبة”، ويتحدث فيه عن الطبيعة الجغرافية التي تتشكل منها القرية، من خلال الكشف عن مناطقها وأحواضها ومسمياتها، وأشجارها وثمارها، وحصادها ودراسها، وعن طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي عاشها الناس، مثل دراسة الزيتون على “البدود”، ودراسة الحبوب على البيادر، والصناعات الغذائية، نباتية وحيوانية، وبعض ثقافة الناس في مواسم مختلفة من مواسم حياتهم.
فيما يتحدث المبحث الثاني عن “قرية عنبة الأرض والسكان، وفق ما احتفظ به دفتر مفصل ضرائب نواحي جبل عجلون في أواخر العهد العثماني لسنة 1312-1893″، ويعد هذا السجل سفرا تاريخيا ضخما احتوى على معلومات تاريخية وبشرية عن شمال الأردن في غاية الأهمية، فشمل نواحي جبل عجلون كافة، مثل ناحية الكورة، وناحية الكفارات، وناحية السرو، وناحية الوسطية، وناحية بني عبيد، وناحية بني جهمة، فقرية عنبة التي تتبع ناحية الكورة شملها السجل في التدوين والتعريف بناسها وأرضها، من خلال تقييد أسماء الملاكين للأراضي، وتقييد أسماء الأراضي والأحواض إلى جانب كل اسم من تلك الأسماء، وأهمية هذا السجل أنه يكشف الواقع السكاني والعشائري للقرية، حيث رصد سكان وعشائر عنبة ودير يوسف وبيت يافا وكفر كيفيا وبعض الذي هاجروا من القرية إلى قرى أخرى أو من هاجر منهم إلى مدينة إربد، وقد بلغ عدد من أشار السجل إلى أسمائهم 295 فردا، وهم الذي كانت لهم ممتلكات مدونة رسميا في سجلات الدولة العثمانية من أجل تحصيل الضرائب عليها.
أما المبحث الثالث وهو بعنوان “قرية عنبة في عين العاصفة: ثورة الكورة 1921-1922″، فيتحدث عن الأزمة التي وقعت بين عشائر وسكان أهل الكورة وحكومة شرق الأردن التي كانت بريطانيا تشرف وتباشر في تصريف شؤونها العسكرية والإدارية والسياسية؛ حيث أثير حول هذه الحادثة الكثير من المغالطات والتجني على سكان الكورة، بل وأحيانا صوروا موقفهم على اعتبار أنه عصيان وثورة ضد الدولة الجديدة التي بدأت تتشكل حديثا في شرق الأردن، وتحت شعار إمارة شرق الأردن، والحقيقة حينما طالعنا الوثائق ذات الصلة بموضوع الأزمة، لا سيما رواية قائد الحملة، ما عرف بتأديب عصيان الكورة “فؤاد سليم”، الذي أفصح عن حقيقة الأحداث بشكل من الموضوعية، إضافة إلى أحاديث المراجع والصحافة والروايات الشفهية، وكان لقرية عنبة نصيب كبير من الاتهامات التي جرت على بقية قرى ناحية الكورة، وهي أيضا تعرض سكانها لأذى قصف الطيران وما تلاه من ممارسات قمعية استبدادية واعتقالات بحق المواطنين بعدما أعلنوا استسلامهم للقوات المسلحة العربية التي يشرف عليها الجيش البريطاني.
فيما يتحدث المبحث الرابع عن “التعليم في قرية عنبة: دراسة في الوثائق الرسمية”؛ حيث اهتم هذا المبحث في الكشف عن واقع الحياة التعليمية في قرية عنبة منذ بداية القرن العشرين حتى خمسينيات القرن نفسه، والتي كانت تتشابه من حيث البدائية وقلة الإمكانيات من الأبنية المدرسية ومن المعلمين، ومن الكتب المدرسية، إضافة إلى العزوف العام لدى الأهالي عن الإقبال على الانخراط في العملية التعليمية بسبب الفقر الذي كان يعم أجراء البلاد، تتشابه مع قرى شرق الأردن من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، الأمر الذي دفع بالأهالي للتمسك بأبنائهم خارج أسوار المدارس حفاظا على ممتلكاتهم الحيوانية أو حاجتهم الماسة إلى أبنائهم كأيد عاملة في الحقول والمزارع، وقد رجعنا إلى مئات الوثائق الرسمية التي رسمت بعض بصيص الأنوار لتحقيق تقدم ولو يسير في مجال التعليم، مع أن الإجراءات الرسمية كانت بطيئة جدا، إلا أنها وضمن المكانيات المتاحة في ذلك الوقت تعد خطوات ناجحة من أجل بناء أردن جديد، وهو ما حدث بالفعل مع مرور الوقت. أما المبحث الخامس فجاء بعنوان “الأحوال الاجتماعية في قرية عنبة: دراسة في سجلات أحول مدنية وصحة الكورة 1926-1946″؛ حيث حاول المؤلف في هذا المبحث رسم صورة واضحة حول واقع الحياة السكانية في قرية عنبة من خلال تلك السجلات الرسمية التي تحتوي على مخزون إحصائي للسكان، شمل طبيعة المواليد وما تعرض له الأطفال من سن مبكرة من مواجهة الأمراض والأوبئة التي فتكت بنسب عالية جدا من أولئك الأطفال حديث الولادة وأثرت على النمو السكاني، يضاف إلى ذلك تسجيل الوفيات للذكور والإناث، وللأطفال وكبار السن، كما تم الكشف عن أسماء مواليد قرية عنبة كافة من 1926 ولغاية 1946، وكشفت أيضا عن أسماء الوفيات في الفترة نفسها من الدراسة وعن الأمراض السارية الشائعة، وعن أسماء المخاتير المعتمدين رسميا لدى مؤسسات الدولة، وبينت تاريخ المواليد في اليوم والشهر والسنة، وكذلك تاريخ الوفيات، وأعمار الذين توفوا وسبب وفاتهم.
ويتحدث المبحث السادس عن “شهداء قرية عنبة وجيل عجلون في حرب الدولة العثمانية في البلقان”، ويتطرق المبحث إلى ملف التجنيد الإجباري أيام الدولة العثمانية، أو ما يعرف بـ”أخذ عسكر”، الذي فرضته الدولة العثمانية على شباب العرب في بلاد الشام والعراق ومصر وغيرها من البلدان، وذلك من أجل أخذهم إلى جبهات القتال في حروب الدولة العثمانية مع “بلغاريا ورومانيا وهنغاريا والبلقان”؛ حيث قضوا حياتهم هناك شهداء، خالدين دفاعا عن حمى دار الإسلام، وحقيقة الأمر أن أعداد الذين تم أخذهم مجندين من قرية عنبة وقرى الكورة وفي شرق الأردن كبيرة لا نستطيع الوقوف عليها.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock