كل ما نمرّ به في مشوار حياتنا، محفور في صندوق، قد يكون معتمًا في داخل شخصيتنا. المسألة أشبه بالبصمة. الطفولة ومواقفها وآثارها جاثمة في تشكيل هويتنا وشخصيتنا.
الإساءات، التعنيف، الضرب، التنمر، السخرية والتهميش، الكلمة الجارحة، وصولا إلى الإحساس بعدم القبول في البيت أو المجتمع أو المحيط، جميعها تتراكم آثارها في دواخلنا.
منذ طفولتنا والذاكرة تحتفظ بكل ما نتعرض له، لا تتجاهل شيئا، تتراكم المواقف وتثبت مكانها، خصوصا تلك التي لا تخلو من إحساس بالقهر والظلم والتهميش الذي ينتج عنه خوف وانعدام بالثقة في النفس.
الأذى النفسي الذي يتعرض له البعض، سواء من العائلة أو الأصدقاء أو في الشارع، المؤسسات التعليمية وحتى بيئة العمل، يظنون أن الأيام كفيلة بمحو آثاره، لكنه للأسف يبقى علامة يصعب أن يمحوها الزمن، فتكون آلامُه موجعةً ومؤلمةً تنهش بالروح والجسد.
ذلك الاهتمام الذي يشعرنا بأنفسنا، ويؤسس لكل تفاصيل حياتنا.. ماذا إن غاب؟
حينما نفقده ولا نستشعر وجوده، كمن فقد روح الحياة ومعنى الوجود وأهمية البقاء، فتتحطم الأحلام ويتلاشى الأمل، وننعزل عن أي شيء.
الشعور بالوحدة بات يتنامى مع عصر السوشال ميديا، ذلك المكان الذي عزل الأشخاص اجتماعيا عن محيطهم، لذلك تضاعف الاكتئاب وزاد الميل للانتحار في عالم حقيقي بدأ يتفكك، فكم من أسر تعيش تحت سقف واحد، لكن المسافات بين أفرادها بعيدة آلاف الأميال؟
يفتقد العديد من الأشخاص مساحة كافية من الدفء والحميمية، ويحل مكان ذلك تعب وحزن وألم، يترافق مع متطلبات لا تنتهي، إضافة إلى تبدل العلاقات وغياب الإحساس مع الآخر.
كل شيء يترك أثره بداخلنا دون أن نعلم بمدى خطورته ونحن نختبر علاقات باردة، جافة كأرض قاحلة.. و”إنسانية” تغيب عن التعامل اليومي بين الأفراد، وضحكات كانت تخرج من القلب لتزين وجوهنا لكنها غابت عن ملامحنا، وعلاقات لم تعد طبيعية غيرت من سلوكياتنا.
ربما يتجسد بعض من ذلك في فيلم “الجوكر” الذي يعرض حاليا في دور السينما، ويحكي قصة ممثل كوميدي فاشل كانت حياته طبيعية قبل أن يواجه مشاكل وضغوطا نفسية عدة، جعلته يقرر الخروج عن القانون ويقتحم عالم الجريمة والفوضى، ومعالجته لمسألة أصبحت مقلقة في مجتمعاتنا، ألا وهي القلق والاكتئاب، اللذان يسيطران على عدد كبير من البشر اليوم.
وبغَضِّ النظر عن الآراء التي هاجمت الفيلم، بوصفه يمجد العنف وسوداويا مأساويا، ودمويا، والمشاهد المؤلمة التي تضمنها، والظلامية التي سادت أحداثه، إلا أنه أوصل الرسالة المرادة منه، وكيف يحدد فقدان الأمل مسارا آخر ليعزز من سلوكيات العنف والجريمة والانتقام.
الفيلم وإن بالغ بتصوير الردود العنيفة تجاه المواقف التي حصلت مع شخصية الجوكر، غير أنه يؤشر على تبدل مفاهيم “الخير” في لحظة شعور الإنسان أنه يعيش في بيئة ومحيط “يسخر” منه ويتنمّرُ عليه لا يؤمن به ولا يراه كيانا له وجود.
“الجوكر”.. هو دعوة للتأمل، وإعادة التفكير.. والنظر لعدالة اجتماعية حينما تغيب قد يأكل الأفراد بعضهم بعضا، والنتيجة مجتمع عدائي يكره الآخر، ويدمر صحته النفسية.. ويقلب الموازين!
يمضي الوقت وقد لا نجد الوقت الكافي لأن نحيا مثلما حلمنا ذات زمن.. فيكون الانتقام من أنفسنا أولا قبل الآخرين!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock