ترجمات

الجولاني من إدلب إلى أوكرانيا.. مُقايضة أم تهديد؟

تقرير خاص – (أحوال تركية) 15/4/2021

اتهم الأمن الروسي، مؤخراً، جهات لم يسمها، بنقل عناصر من “هيئة تحرير الشام” المسيطرة على مدينة إدلب السورية إلى منطقة القرم؛ الخاضعة حالياً لسيطرة موسكو، معلناً عن إحباط عملية إرهابية هناك.
* * *
القاهرة ولندن- قبل أيام، تحدثت نشرة “أحوال تركية” عن مغادرة مئات المرتزقة السوريين شمال بلادهم وليبيا مُتجهين إلى شرق أوكرانيا لقتال القوات الروسية في حال نشوب مواجهات مسلحة بين الدولتين إثر تصاعد النزاع بينهما على نحوٍ غير مسبوق. ثم تحدثت صحيفة “العرب” اللندنية واسعة الانتشار، في تقرير لها قبل أيام، عن أنّ إدخال “هيئة تحرير الشام” الموالية لتركيا، على خط الصراع في القرم يُعدّ إيذانًا بفتح سيناريوهات شرق أوكرانيا على احتمالات متعددة، لأن الخطوة تحمل اتهامًا مبطنًا للولايات المتحدة قبل تركيا بالرغبة في خلط الأوراق في الحديقة الخلفية لروسيا عبر توظيف ورقة الجهاديين.
وكان الأمن الروسي قد اتهم، مؤخراً، جهات لم يسمها، بنقل عناصر من “هيئة تحرير الشام” المسيطرة على مدينة إدلب السورية إلى منطقة القرم؛ الخاضعة حالياً لسيطرة موسكو، معلناً عن إحباط عملية إرهابية هناك.
وورد في بيان عن هيئة الأمن الفيدرالي الروسي أن قوات الأمن أحبطت تفجيراً بمدينة سيمفروبول؛ عاصمة إقليم القرم المتنازع عليه بين كييف وموسكو، وأنها اعتقلت روسيين ينتميان إلى الـ”هيئة” التي يقودها المتطرف أبو محمد الجولاني، حيث كانا يخططان لتفجير إحدى المؤسسات التعليمية في المدينة، ثم الهرب عبر أوكرانيا وتركيا إلى سورية.
ويعود توسيع أنقرة و”هيئة” الجولاني مساحة المواجهة ضد روسيا خارج حدود إدلب والشمال السوري إلى أن أي معركة جديدة في سورية ستكون في عمق مناطق نفوذ تركيا ومهددة لحدودها الجنوبية، فضلًا عن غموض مستقبل الـ”هيئة” التي تتحسب لمواجهة تصورها موسكو على أنها حاسمة ضد الإرهاب.
في الأثناء، رأى محللون أنّه يمكن استخدام “هيئة تحرير الشام” المدعومة تركيا “كأداة” ضدّ قوات سورية الديمقراطية، “قسد”، المدعومة من الولايات المتحدة، حيث بعث الجولاني برسائل إلى واشنطن تحاول أن تظهره كشخص معتدل يمكنه المساهمة في عملية التوصل إلى تسوية نهائية للأزمة السورية، بالتزامن مع رسائل تركية إلى واشنطن، ما يكشف عن خطط تركية لضمان إعادة تموضع أنقرة في المعادلة السورية عبر الترويج لمشروع سلام من خلال مناطق آمنة في الشمال السوري.
وجاء في تقرير “العرب” الذي أعدّه الكاتب المصري هشام النجار، أنّ موسكو تحرص على كبح التدخل الأميركي في المسألة الأوكرانية عبر التلويح بورقة “هيئة تحرير الشام”، عقب ظهور الجولاني في صحف ووسائل إعلام غربية بمظهر عصري، معلنًا عدم العداء لواشنطن والعواصم الغربية المتحالفة معها، وكاشفًا عن حبال الود الممدودة بين منظمته والولايات المتحدة.
ولا ينفصل هذا التطور عن الشأن السوري، حيث تراقب موسكو محاولات تنظيمات معادية لها داخل سورية، في مقدمتها “هيئة تحرير الشام”، لفرض نفسها كجزء من التفاهمات والتسويات السياسية المستقبلية، وتراهن على نيل اعتراف دولي بها وإزالتها من قائمة المنظمات الإرهابية باعتبارها حركة معارضة محلية ومعتدلة.
وقد تعاقبت الإشارات الدالة على قرب إظهار واشنطن موقفاً مختلفاً من “هيئة تحرير الشام” بعد رفع اسم “الحركة الإسلامية التركستانية” من قوائم الإرهاب الأميركية بالنظر إلى العلاقات الوطيدة التي تربط بين الجهاديين التركستان و”هيئة” الجولاني، وهو ما أعقبه مباشرة بيان ترحيب من الـ”هيئة” التي أعربت عن أملها في صدور قرار قريب مشابه بخصوصها.
وأطلق مسؤولون غربيون تصريحات تشي بتبني رؤية معتدلة حيال الـ”هيئة”، منها ما قاله جيمس جيفري، المبعوث السابق للتحالف الدولي لمكافحة “داعش” عندما وصفها بأنها “الخيار الأقل سوءاً وتمثل مصدر قوة استراتيجية لأميركا في إدلب”.
وتهدف موسكو عبر الإعلان عن نقل عناصر من “هيئة تحرير الشام” إلى ساحة الصراع في أوكرانيا وتنفيذهم عمليات إرهابية في شبه جزيرة القرم إلى إثبات عدم صحة سردية الـ”هيئة” المتعلقة بكونها جماعة معارضة محلية.
ويريد الروس إبرازها كمنظمة جهادية عابرة للحدود بغرض إفشال مساعي قادتها إلى نيل الدعم والقبول الغربي والأميركي لرفع اسمها من قائمة المنظمات الإرهابية وتكريس حضورها ونفوذها في الشمال السوري.
وتُعد “هيئة تحرير الشام” أحد المنغصات الرئيسية لروسيا داخل سورية، باعتبارها أقوى التنظيمات الإرهابية في شمال البلاد، حيث تملك قوات قوامها 12 ألف مقاتل، ولفضائها الحيوي بالنظر إلى أن هناك المئات من عناصر الـ”هيئة” من أصول روسية، وهو ما تعده موسكو خطرًا على أمنها القومي.
ويبدو الإعلان الأخير عن ضبط عناصر متطرفة تنفذ عمليات إرهابية في القرم تحضيراً من موسكو لضرب محاولات إضفاء الشرعية الدولية على “هيئة تحرير الشام”، والتمهيد لتصعيد عسكري روسي في الشمال السوري، ما يعني قرب تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة مع الجيش السوري ضد الـ”هيئة” داخل إدلب.
ويقول مراقبون إن نشاط الجولاني، الذي يحظى بغطاء سياسي ودعم عسكري تركي في حدائق روسيا الخلفية في القرم، قد يكتب السطر الأخير في صفحة الصداقة التي أقامها الرئيس رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين ولم تُجدِ نفعًا في حل أزمته المتفاقمة في منطقة إدلب.
ويبدو أن فشل أردوغان في تكريس نفوذه بالشمال السوري من خلال التعاون والتنسيق مع موسكو يدفعه إلى الاستدارة صوب إدارة بايدن لإصلاح علاقته بها، بعد أن أصبحت إدلب وكأنها فيتنام تركيا وبعد خسارة جيشها العديد من مقاتليه إثر الهجمات المتفرقة التي شنها النظام السوري هناك.
سوف يشكل تنفيذ هجمات كبرى منسقة بين الحكومة السورية وروسيا تقويضاً لجهود “هيئة تحرير الشام” لتكريس هيمنتها على إدلب، حيث أدت خسائرها الميدانية والعسكرية إلى تقليص مساحات نفوذها وأفقدتها القدرة على المناورة.
وفي حال تقدمت قوات النظام السوري داخل عمق إدلب، سوف تتحول الـ”هيئة” إلى حرب العصابات وسوف تُفتح أبواب الانشقاقات على مصراعيها بسبب تخليها عن الجهاد العابر للحدود وكبح نشاطات كبار شخصيات “القاعدة” وإعطائها الأولوية للسيطرة على إدلب.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock