أفكار ومواقف

الجولان.. المعنى والدلالة

أثناء مناقشة الكنيست الإسرائيلي “لقانون الجولان” العام 1981، الذي أخضع الجولان لقضاء وإدارة وقانون الكيان الصهيوني، رد “مناحيم بيغن” على أحد نواب الكنيست قائلاً : أنت قلت ” ضم الجولان “،”أنا لم أقل ذلك والقانون لا يقول ذلك”. حتى “مناحيم بيغن” رئيس وزراء إسرائيل آنذاك لم يجرؤ على إعلان ضم الجولان صراحة، واليوم يعلن ترامب جهارة اعتراف أميركا بسيادة إسرائيل عليها، ضارباً بعرض الحائط المواثيق والمعاهدات الدولية التي حظرت ضم الاراضي المحتلة.
لست معنياً بتقييم القوى العقلية للرئيس ترامب، ولا أميل لنظرية جنونه واضطراب شخصيته فواضح أنه ينفذ خطةً شاملةً خطوة بعد خطوة بثبات وثقة، ولكن ما استوقفني جرأة القرار وتوقيته في ضوء قُرب الإعلان عن صفقة القرن، وقياسا على خطوة ترامب هذه، يمكن التنبؤ ببعض البنود المقبلة لصفقة القرن على النحو التالي :
تطبيق قانون يهودية “الدولة الإسرائيلية” وسحب جنسية عرب الداخل وتحويلهم إلى سكان أجانب يقيمون على “أرض إسرائيل” بموجب إقامات دائمة، الأمر الذي يفقدهم حقهم المترتب على اعتبارهم الآن مواطنين في دولة الاحتلال ويمهد لسلبهم الحقوق السياسية والمدنية التي يتمتعون بها الآن، مما سيجعلهم عرضة للإبعاد الى أرض الضفة مثلاً او الى غزة اذا ما خالفوا سياسة دولة الاحتلال او عرضوا أمنها من – وجهة نظر اسرائيل- للخطر.
إعلان الضفة الغربية “محميات سكانية” خاضعة أرضا وسماء وثروات طبيعية لدولة الاحتلال مع قوات حفظ أمن ومرافق عامة تدار محليا وتتبع أيضاً لدولة الاحتلال. ولغايات تسويق ذلك ضخ الكثير من المال في منطقة الضفة الغربية والعمل على رفع دخل الفرد وتسهيل الحياة الاستهلاكية مع تكثيف كافة الممارسات التي من شأنها تذويب الهوية الوطنية الفلسطينية وبالعموم خلق انتعاش اقتصادي في الضفة.
بناء جدار عازل مع غزة وإعلانها كمنطقة حكم محلي تابع لمصر وذلك بعد القيام بعملية عسكرية لتجريد حماس والفصائل الأخرى من قوتها الصاروخية، تسهيلاً لقبول مصر مثل هذا العرض وبالطبع مع وضع خطة لإعادة إعمار غزة ورفع الحصار عنها وخلق حالة اقتصادية استهلاكية منتعشة تساعد على عزل حماس وبقية الفصائل واستئصال فكرة المقاومة.
تأكيد “توحيد” القدس الشرقية والغربية تحت “القانون الاسرائيلي” وإخضاع المسجد الأقصى “لوزارة الأديان الإسرائيلية “مع إعلان شكلي بضمان الصلاة في المسجد الأقصى في أوقات محددة ولفئات عمرية تحدد من قبل دولة الاحتلال يواكب ذلك الإعلان عن البدء ببناء الهيكل، وإنهاء دور الأوقاف الأردنية ومنعها من التدخل في القدس، وقد يقترح اعتراف شكلي بالوصاية الهاشمية التاريخية على المسجد الأقصى فقط دون أي وجود فعلي على الأرض خاصة وأن الأردن قيادة وشعبا ترك -لغاية الآن – وحيداً في مقاومة هذه الصفقة.
مثل هذا التصور لن ينتظر قبولاً من أي من الدول العربية ذلك انه سيطرح كأمر واقع، تماماً كما حصل أول أمس في إعلان أميركا الاعتراف بسيادة دولة الإحتلال على الجولان، وسوف تسوق هذه الصفقة بحوامل انتعاش اقتصادية وضخ كما قلنا الكثير من المال في إعمار العراق وسورية والضفة وغزة وربما الأردن واليمن، وسياسيا ستسوق الصفقة عن طريق إعادة تعريف العدو في المنطقة ليكون إيران فقط.
صفقة القرن تتويج لهوان عربي متراكم منذ بداية القرن التاسع عشر، هوان سببه غياب الديمقراطية والحيلولة دون مشاركة الشعوب العربية في الحكم، صفقة القرن هي سقوط مدوٍ “للحلف العربي” الذي تحالف مع “اميركا” وللحلف العربي الآخر الذي تحالف مع روسيا وأوروبا. صفقة القرن سقوط مروع “لحلف المقاومة” الذي لوح بالمقاومة وأجلها حتى أمست شعاراً أكثر منها فعلاً حقيقياً، صفقة القرن نتيجة حتمية لتبني الدول العربية سياسة الريع والتبعية الإقتصادية والإخفاق في خلق أي سوق واقتصاد عربي مشترك، صفقة القرن هي تتويج لأرذل عمر الإنسان العربي الذي تشكل من انهزامات شخصية ووطنية متواصلة، ولكن ما لا يعلمه من يخطط لهذا الصفقة أن الشعوب العربية ليست جزءاً منها، وهذه الشعوب وإن كانت في أضعف حالاتها اليوم فإنها نفسها من سيقلب المعادلة ويعيد الحق ولو بعد حين. فاهم علي جنابك؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock